الحيرة الإسرائيلية بين دولة ديمقراطية أو عنصرية

ماجد كيالي –

إذا كانت إسرائيل طوال العقدين الماضيين لم تسهّل حلّ الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، والذي استند إلى خياري المفاوضات والتسوية فقط، فمن غير المعقول توقّع أن تقوم بتسهيل هكذا حلّ في الظروف الراهنة، أي مع وجود رئيس مثل دونالد ترامب للولايات المتحدة، ومع صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف بشكل غير مسبوق في إسرائيل، وأيضا في الظروف الراهنة في العالم العربي، الذي بات منقسما على نفسه إلى محاور، والذي يعيش اضطرابات وتحديات جمة تزيح قضية فلسطين إلى أدنى سلم الاهتمامات.
هكذا نحن إزاء معطيات عديدة تؤكد ذلك، أولها: يكمن في أن إسرائيل ترى بأنها غير ملزمة، في هذه المرحلة، بتقديم «تنازلات» للفلسطينيين، فهي غير متيقّنة من المستقبل، في هذه المنطقة المضطربة، فضلاً عن أن الوضع العربي منشغل عنها بمشكلاته، وصراعاته الداخلية، وليس ثمة ما يضغط عليها بهذا الشأن. وثانيها: أن الفلسطينيين ليسوا في حال حسن، فهم منقسمون، وليس ثمة في أوضاعهم ما يرشّح التحوّل نحو مقاومة إسرائيل وسياساتها. وثالثها: أن الولايات المتحدة برئاسة ترامب تعد لفصل جديد، تفصل فيه نفسها عن دورها كراعية لعملية السلام، وتشتغل فيها على فصل العالم العربي عن قضية فلسطين، وفصل العلاقات الاقتصادية والسياسية عن قضية انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة.
أيضا، ثمة ثلاثة عوامل داخلية، أولها: يتعلّق بتغيّر الوضع على الأرض في الضفة لناحية استشراء الأنشطة الاستيطانية وتزايد نفوذ المستوطنين، ما يصعّب قيام دولة فلسطينية ذات تواصل إقليمي، كما من إمكان إجلاء المستوطنين من أراضي الضفّة. وثانيها: يتعلّق بالتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية الحاصلة في إسرائيل ذاتها تبعاً لازدياد نفوذ القوى اليمينية والقومية والدينية فيها، الأمر الذي يجعلها في هذه المرحلة أكثر يمينية وعنصرية ودينية واستعمارية من ذي قبل؛ وبديهي في ظلّ إسرائيل كهذه لا يمكن توقّع الذهاب نحو التسوية. أما ثالثها: فيتمثل بتنامي شعور لدى الإسرائيليين بأنهم يعيشون في نمط من الاحتلال المريح، بل والمربح، فليس ثمة ثمن لوجودهم الاستعماري والاستيطاني في الأراضي المحتلة، وحتى انه لم يعد ثمة احتكاك بينهم وبين الفلسطينيين، بنتيجة بناء الجدار الفاصل والأطواق الأمنية والطرق الالتفافية، وفوق ذلك فإن الوجود الإسرائيلي في الضفة بات وكأنه بمثابة استثمار مربح، مع استغلال الأراضي والمياه ومع اعتبار الضفة بمثابة سوق للسلع الإسرائيلية الاستهلاكية والخدمية؛ تقدّر ببضعة مليارات من الدولارات.
مع كل ذلك ثمة في إسرائيل من يدعو إلى الحذر من الاتكاء على هذا الوضع المخادع، لأنه بمثابة وضع مؤقّت ربما ينفجر في أية لحظة، وحتى في حال ظلت الأمور على ماهي عليه، فإسرائيل لن تستطيع التخلص مما تسميه «الخطر الديمغرافي»، أو «القنبلة الديموغرافية»، مع وجود ستة ملايين يهودي في أرض فلسطين التاريخية، وهذا وضع يفرض عليها، في حال استمرارها الحؤول دون قيام دولة للفلسطينيين، المفاضلة بين حلين، إما انكشافها كدولة استعمارية استيطانية عنصرية (على أساس الدين)، على حساب سعيها لتقديم نفسها كدولة ديمقراطية، أو التحول إلى دولة ديمقراطية لكل مواطنيها، وهو الأمر الذي تشتغل على تلافيه، في إطار سعيها للحفاظ على كونها دولة يهودية.
اللافت انه في إطار وجهة النظر اليمينية والقومية المتطرفة هذه ثمة من يطرح إمكان البقاء في الضفة الغربية مع هضم الفلسطينيين فيها، عبر منحهم المواطنة الإسرائيلية في إطار دولة ديمقراطية «ثنائية القومية»، لكن على أساس سيادة طابعها كدولة يهودية؛ ما يوصم هذه الدعوات بصبغة العنصرية. أيضا فقد شهدت إسرائيل مؤخّرا بروز وجهات نظر جديدة تطالب بقيام إسرائيل بخطوات أحادية إزاء الفلسطينيين، أي بمعزل عن المفاوضات وعن عملية التسوية، على أساس أن هاتين استهلكتا، وأن الزمن والوقائع والتطورات، ومواقف الطرفين، استنزفتها. بيد أن أي حل ينطوي على المراوغة والتهرب وتقطيع الوقت، بطرح حلول مؤقتة أو مخدرة للفلسطينيين، وإبقاء كيان السلطة عند حدود الحكم الذاتي، لن تنهي أحد الخيارين السابقين، وإنما ستعزز من الاحتمال الأول، ما يضع إسرائيل أمام مشكلة كبيرة إزاء ذاتها وإزاء العالم.