نوافذ :الغايات.. صفحات مفتوحة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
ثمة مسألة فنية تتداخل بين الفعل والنتيجة المتوقعة من هذا الفعل، يحدث ذلك في كل شؤون حياتنا اليومية، ولأن هذه المسألة الفنية تعتمد على عوامل كثيرة: الخبرة، المعرفة، التجربة، العمر، البيئة المحيطة، فإنه؛ في المقابل؛ تتمايز النتائج بين الأفراد للفعل الممارس المتشابه، حتى وإن كان نشاطا عاما، هذه المسألة الفنية هي مجموعة المشاعر، أو المقاصد التي تختلج بين جوانحنا، فتوقظ فينا الهمة، والإقدام، أو تؤخر فينا ذلك كله، يحدث هذا عندما لا تكون الأهداف التي نعمل إلى تحقيقها واضحة بالقدر الكبير، وعندما يساورنا الشعور أن ما نعمله لا ينصب في مصالحنا الخاصة جدا، وعندما تتداخل فينا أيضا عوامل الحسد، والغيرة، هنا؛ وفي كل هذه المحبطات، تتراجع الغايات، إلى درجة الذوبان، فتتقزّم النتائج إلى درجة التماهي، مع أن الغايات هي صفحات مفتوحة، غير محددة، ولأنها كذلك يفترض وفق هذه الرؤية أن يتم البحث عن مخارج أخرى للنجاح، وليس الركون إلى الفشل، ولذلك قيل: «ثلاث أشياء تسقط المرء: حب المال، والأنانية، وحب السيطرة، وثلاثة ترفعها: التضحية، والوفاء، والفضيلة» فمحوري: الأنانية، والتضحية، هما حاضران في أي فعل إنساني، ولها الدور الكبير في تحريك النتائج نحو الوصول إلى الغايات، وبالتالي فالتخلص منهما؛ أو اعتناقهما، أمر ليس يسيرا البتة.
الغايات تمثل نتائج مهمة؛ بلا شك؛ وهي تحتاج إلى كثير من المجاهدة، فغاية الإنسان المسلم من مجموعة اشتغالاته في الحياة، هو الوصول إلى رضا ربه، والدخول إلى الجنة، فالدخول في الجنة غاية، والموظف الذي يجتهد في عمله، هو لا يفكر فقط في الحصول على الراتب، فالراتب حالة حاصلة له ولكل العاملين في المؤسسة، ولكنه معني بالدرجة الأساس إلى تحقيق غايات الوطن من وجود مؤسسات تقدم خدماتها للناس وهي الغاية الكبرى، والأب يعمل ليل نهار ليس فقط لإطعام مجموعة الأفواه التي تنتظره بين جدران بيته الأربعة، ولكن ليتمكن أكثر من بسط مجموعة العوامل المادية وغير المادية المحققة لمشروع السعادة لأسرته كاملة، فالسعادة هنا غاية، وحتى المسافر لبلد بعيد، فعليه أن يتحمل الكثير من المشاق، والمصاعب التي سوف توجهه فـ «السفر قطعة من العذاب» حتى الوصول إلى غاياته من هذا السفر.
فهذه المشروعات الإنسانية كلها، وغيرها تعمل على نجاحها مجموعة العوامل التي سبق ذكرها أعلاه، وهذا أمر مسلم به إلى حد كبير، ولكن المختلف عليه في هذا الجانب بالذات، أن في كل هذه المشروعات إما أن تبقى وسائل للوصول إلى الغايات، وإما أن تظل غايات وتحتاج إلى وسائل للوصول إليها، ومن هنا يختلف الناس في فهم كثير من جوانب حياتهم اليومية، فالوظيفة على سبيل المثال: هناك من ينظر إليها على أنها وسيلة للوصل إلى غاية؛ مفادها؛ تحقيق حياة سعيدة آمنة، وهناك من ينظر إليها على أنها غاية، وبالتالي يكرس كل جهده وعمره إلى إعلاء شأنه من خلالها، حتى تتحول العلاقة بينه وبينها علاقة عضوية، وبالتالي متى فقدها بإقالة أو بالخروج إلى التقاعد، اسودّت الحياة بين عينيه، وشعر بأن حياته انتهت عند هذه النقطة، وهذه الصورة يمكن قياسها على كل مشاريعنا الإنسانية في هذه الحياة، ولذلك هناك القليل من يعي ويتعظ.
ولذلك قيل أيضا: «إذا كان النجاح يجعلك متكبرا فأنت لم تنجح حقا، وإذا كان الفشل يجعلك أكثر تصميما؛ فأنت لم تفشل حقا» فالنجاح وسيلة لمكاسب إنسانية أكثر، فلا يجب أن تكون غايته التكبر، والفشل؛ يقينا ليس غاية؛ لعمل لم تتحقق عوامل نجاحه، ولذلك يتيح له الفرصة تلو الأخرى لأن تجتاز مظنة البقاء في خندقه أبدا.