كشمير.. البند 370 وموازين القوى الإقليمية

مروى محمد إبراهيم –

وسط حالة الصدمة من قرار الهند بتطبيق البند 370 وإلغاء الحكم الذاتي لإقليم كشمير، لا يمكن أن نتجاهل حسابات السياسة الخارجية والأوضاع الإقليمية والأطراف الدولية التي ربما كانت الحافز وراء هذا القرار المثير للجدل. بل، وربما ستلعب دورا أكبر في المستقبل لتسوية الأزمة الباكستانية- الهندية، قبل اشتعال حرب جديدة كانت المنطقة في غنى عنها.

فعلى الرغم من الاشتباكات والضربات المتفرقة التي كانت تعيشها كشمير، فإن مجرد وضعها كمنطقة خاضعة للحكم الذاتي كفى المنطقة شر العديد من الحروب العنيفة التي راح ضحيتها المئات عبر التاريخ؛ فالأزمة لا تقتصر على الصراع بين الهند وباكستان، لكنها تمتد لتدخل في إطار صراع أكبر وأكثر شراسة وهو الحرب التجارية الأمريكية الصينية، بل ما لا يمكن تجاهله هو حرب النفوذ في المنطقة، التي سيدفع الجميع ثمنها باهظا.
في البداية، لابد من استعادة المشهد الدولي الذي سبق إلغاء الهند للبند الدستوري رقم 370، فقد ركزت وسائل الإعلام الدولية على الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، حيث ظهر في البيت الأبيض جنبا إلى جنب مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فخلال اجتماعهما في المكتب البيضاوي، خرج الرئيس الأمريكي كما هي عادته عن النص الرسمي للجلسة، وأثنى على الزعيم الباكستاني باعتباره «عظيمًا» و«حاسمًا»، ووعد بالمساعدة في إعادة انتخاب لاعب الكريكيت السابق، وبدا واضحا أن العلاقة بين الولايات المتحدة وباكستان، التي طالما شهدت الكثير من العراقيل والأزمات، قد عادت وبقوة.
وبدا الأمر كما لو أن هناك رابطًا من الصداقة القوية تجمع بينهما، حتى إن ترامب عرض الوساطة لحل أزمة كشمير وسط استحسان واضح من خان، الأمر الذي أثار غضب نيودلهي، ودفعها لرفض العرض فورا وبلهجة حاسمة وقاسية، متجاهلة أي روابط أو تحالفات تجمعها مع الولايات المتحدة.
أما المشهد الثاني المهم، الذي يجب التركيز عليه، فهو المفاوضات الجارية بين حركة طالبان الأفغانية والولايات المتحدة في العاصمة القطرية الدوحة؛ فبقدر ما تبشر المفاوضات بالنجاح في التوصل إلى خطة للسلام لإنهاء المأساة والحرب في أفغانستان، إلا أن الهند استشعرت الكثير من الخطر إزاء نجاح هذه المفاوضات. فمحادثات الدوحة تحمل، في واقع الأمر في طياتها، حقيقة عودة طالبان إلى المجتمع الدولي كقوة رسمية معترف بها، وستتمتع بنفوذ واسع وشرعي في أفغانستان، سواء أرادت الحكومة الأفغانية ذلك أم لم ترده. وهو ما يعني بالضرورة تحالف قوي يدعم موقف باكستان في إقليم كشمير؛ ليأخذ الصراع في المنطقة بعدا أكبر تكون فيه باكستان هي الطرف الأقوى. فبالرغم من الحكم الذاتي الذي يتمتع به الإقليم، فستبقى الأغلبية المسلمة فيه غير راضية بشكل أو بآخر عن تبعيتها للهند.
وبمحاولة سريعة للربط بين المشهدين، يبدو أن الصفقة الثنائية الجديدة هي: إذا استطاعت إسلام آباد أن تسلم لواشنطن مخرجًا مشرفًا من أفغانستان يعالج مخاوفها الرئيسية في مكافحة الإرهاب، فإن إدارة ترامب ستعيد بدورها المساعدات العسكرية وتتخذ خطوات نشطة لتوسيع التجارة. وبالتالي، فإن باكستان ستكون الرابح الأكبر؛ ففي الوقت الذي يسعى فيه ترامب لاستغلال الخروج الآمن من أفغانستان ووضع حد لحرب استغرقت عقود بلا طائل كورقة رابحة في انتخابات الرئاسة الأمريكية 2020، فإن إسلام آباد هي الأخرى ستخرج بمكاسب عديدة، فإلى جانب المكاسب الاقتصادية والعسكرية ستربح حليفا جديدا في المنطقة سيدعمها في مواجهة غريمتها الهند، خاصة في ظل المناوشات والضربات الهندية والقصف وخطف الطيارين التي تصاعدت خلال فترة الانتخابات الهندية، فيما بدا محاولة من ناريندرا مودي رئيس الوزراء الهندي وحزبه بهاراتيا جاناتا لاستعراض القوة، وكسب المزيد من التأييد الشعبي، ويبدو أن خطته جنت الثمار المرجوة منها، فقد حقق فوزا انتخابيا غير مسبوق ومنقطع النظير.
وإذا نظرنا إلى العنصر الأمريكي في الصراع، فلابد أن نأخذ في الاعتبار أن ترامب الذي يتمتع بعقلية رجل الأعمال المحنك، كان حريصا إلى حد ما على إبرام أكبر قدر من الصفقات العسكرية مع كلا الطرفين -الهندي والباكستاني- خلال الفترة الماضية. وهو ما يعني أن إشعال الصراع في المنطقة سيصب في صالح أمريكا اقتصاديا، من حيث المشاركة في تقديم الدعم العسكري للجانبين، إلا أنها لن تذهب إلى حد السماح باشتعال الحرب فيما بينهما؛ فالهند تعتبر واحدة من أهم حلفاء أمريكا في المنطقة وداعمها الرئيسي في مواجهة العدو الأكبر وهو الصين، وأي ضرر يلحق بها سيعني بالضرورة تدخل واشنطن لدعم حليفتها القديمة، في مواجهة باكستان الحليفة التقليدية للصين، وهو أمر لا يمكن أن تقبله واشنطن على الإطلاق، فهي في غنى عن صراع جديد في الإقليم.
وربما يفسر ذلك رد الفعل الأمريكي على أزمة كشمير الأخيرة، ففي البداية أكدت واشنطن أن الأزمة شأن داخلي هندي ليس لها التورط بها، ثم عادت وزارة الخارجية الأمريكية لتدعو إلى الحوار مؤكدة أنه السبيل الأمثل لحل الأزمة، خاصة بعد سحب إسلام آباد دبلوماسييها من نيودلهي، ولجوئها إلى مجلس الأمن الدولي لفض النزاع.
والطريف، إننا لا يمكننا الفصل بين الصراع الصيني-الأمريكي المشتعل وبين أزمة كشمير الراهنة، فبحساب توازنات القوى نجد أن الهند الحليفة المهمة والرئيسية للولايات المتحدة في المنطقة؛ فعلى الرغم من إلغاء ترامب للمعاملة التجارية المتميزة للهند قبل أشهر قليلة، فإن هذا لا يمنع أنها شريك تجاري وحليف عسكري متميز لا يمكن التخلي عنه.
وفي الوقت ذاته، فإن الصين هي أبرز حلفاء باكستان في المنطقة، فالعلاقات الاقتصادية والتجارية بينهما متميزة للغاية، وهو ما يفسر رد الفعل الصيني العنيف الرافض للتحرك الهندي إزاء كشمير، كما أكدت أنه يتعين على الهند تجنب «الأعمال الانفرادية» في جامو وكشمير لتفادي التوتر في المنطقة ووصفت قرار نيودلهي بإعادة تنظيم وضع الإقليم بأنه «غير مقبول». لم تكن تعليقات بكين مفاجئة بالنظر إلى شراكتها الوثيقة والاستراتيجية مع باكستان، إلى جانب وقوع أجزاء من الحدود الصينية الهندية المتنازع عليها في الإقليم.
وفي الوقت ذاته، فإن الصين تتولى مجموعة من مشروعات البنية الأساسية، التي لا تزال قيد الإنشاء حاليًا، في جميع أنحاء باكستان، حيث تبلغ قيمة الاستثمارات الصينية هناك حتى الآن حوالي 46 مليار دولار، وتهدف بالأساس إلى تحديث البنية الأساسية الباكستانية بسرعة وتعزيز اقتصادها من خلال بناء شبكات النقل الحديثة، والعديد من مشاريع الطاقة، والمناطق الاقتصادية الخاصة، وقد بدأ بالفعل تشغيل خط نقل البضائع الصينية برا إلى ميناء جوادار للشحن البحري المتجه إلى إفريقيا وغرب آسيا، في حين تم تشغيل بعض مشاريع الطاقة الكبرى في أواخر عام 2017.
كما أن إجمالي صادرات الأسلحة الصينية إلى باكستان في 2007 و2008 بلغ حوالي 6 مليارات دولار أمريكي، وهو ما يمثل 42% من إجمالي مبيعات الأسلحة الصينية.
إقليم كشمير يعتبر من أجمل المناطق في جنوب آسيا، حتى إن البعض يصفه بالجنة، ولكنه اليوم يدفع ثمن صراعات إقليمية ودولية.
ولكن السؤال الآن: هل ستترك هذه الدول الوضع في المنطقة يتطور إلى حد اندلاع حرب يروح ضحيتها المزيد من المدنيين؟
أم أن العقل سيحكم الموقف في النهاية وتلجأ جميع الأطراف إلى مائدة الحوار منعًا لإراقة المزيد من الدماء؟