المال الله مالكه الحقيقي.. والإنسان مستخلف فيه

الإنفاق في القرآن الكريم –
زهرة سليمان أوشن –

«فلسفة المال في الإسلام تقوم على أن الملكية الحقيقية للمال والرزق هي لله، وأن الإنسان مجرد مستخلف على هذا المال مسؤول عنه مبتلى به، فإذا سعى إلى تحصيله من حلال ووضعه في مواضعه بعيدًا عن الإسراف والتبذير وقدم جزءًا منه في سبيل الله في مواطن تخدم دينه وأمته وتسد بعض حاجات المحتاجين فنعم المال هو، مال طيب مبارك ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة».

يتحدث القرآن الكرم في عديد الآيات عن الصدقة والإنفاق، ويحث المسلم على أن يكون صاحب عطاء يقي نفسه من الشح ويجنبها رذيلة البخل، ويتعلم أن يمد يده إلى المحتاجين ويبادر للتخفيف من معاناة إخوانه في الدين، بل له في الإنسانية. وحديث القرآن عن الإنفاق يأخذ مساحة لا بأس بها من آياته وتتعدد المعاني في تلك الآيات فنجد في بعضها الحث على الإنفاق ونجد في الأخرى الدعوة للإخلاص فيما يقدمه المسلم من عطايا وبعضها يركز على جمال خلق الإنفاق وعظيم جزائه، في حين تركز آيات أخرى على دور الإنفاق في مقاومة شح الأنفس واستئصال البخل وفتح مساحات لحب السخاء.
وفي هذا المقال سآخذكم في جولة مع بعض هذه الآيات وأحاول أن أقتبس من نورها ضياء يكشف عن جزء يسير من أسرارها ويقف وقفة متواضعة مع جلالها ويمر مرورا كريما على مواطن جمالها، قال تعالى: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ»، [البقرة 177.
في هذه الآية جاء حث على بذل المال لمن يحتاجه وعدد أصنافا منهم في سياق يوضح حقيقة البر ويلج إلى أعماقه فإذا هو ليس مجرد طقوس ولا مظاهر لكنه إيمان عميق بالله واستحضار عظيم ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون يصدق ذلك سلوك قويم يقوم على نشر الخير وحب المكارم ويأتي الإنفاق على رأس تلك المكارم رغم ما جبلت عليه الأنفس من نزعة التملك وحب المال، لذا جاءت هذه الجملة التعبيرية العميقة الدلالة «وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ…»؛ لتوحي بتفوق هؤلاء المنفقين على أنفسهم وقدرتهم على التغلب على حب المال الساكن فيها وترويضها ومن تم تعويدها على حب العطاء، فإذا أيديهم تسخو وإذا قلوبهم قبل جوارحهم تجود.
«مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»، في هذه الآية الكريمة دعوة للإنفاق، ووعد بالأجر المضاعف لصاحبه، ومع أن الفضل لله أولا وأخيرا على ما يتمتع به العبد من نعم، فقد جاء التعبير عن الإنفاق بالقرض الحسن عذبا رقراقا، يوحي بكرم الله وجميل تعامله مع المسلم، فهو يتحدث عن هذا القدر من المال الذي يهبه المنفق لذوي الحاجة وكأنه قرض يقرضه المؤمن لربه الذي هو الغني الحميد ليجد أثر هذا القرض مكرمة وسرورا في الدنيا وجبالا من الحسنات في الآخرة.
وهذه آية كريمة جليلة في هذا المضمار المبارك تتحدث عن أدب رفيع من آداب الإنفاق، يقول الله تعالى في سورة آل عمران: «لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ»، إن الإنفاق يجب أن يصدر من قلب محب للخير ومن نفس طيبة كريمة لصاحبها الذي يحب لإخوانه ما يحب لنفسه؛ لذا فهو يكرمهم من أحب ما عنده من مال أو طعام أو كسوة، وتأبى عليه نفسه الرفيعة أن يحتقر إنسانا أو يستذله؛ لأنه محتاج فيرمي له ببقايا طعامه أو يلقي عليه بقايا ملابسه البالية، بل يعمد إلى ما هو أحب إليه فيتصدق ويعطي وهو يستحضر أن الله محيط به عليم بما في داخله مطلع على باطنه.
وفلسفة المال في الإسلام تقوم على أن الملكية الحقيقية للمال والرزق هي لله، وأن الإنسان مجرد مستخلف على هذا المال مسؤول عنه مبتلى به، فإذا سعى إلى تحصيله من حلال ووضعه في مواضعه بعيدا عن الإسراف والتبذير وقدم جزءا منه في سبيل الله في مواطن تخدم دينه وأمته وتسد بعض حاجات المحتاجين فنعم المال هو، مال طيب مبارك ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة.
وها هي هذه الآية الكريمة من سورة البقرة تحث على الإنفاق وتأمر المجتمع المؤمن أن يكون مجتمع بذل وعطاء مذكرة أن الرزق رزق الله، لذا جاءت الجملة «أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم»، لتوحي بأهمية استحضار هذا المعنى عند المؤمن وهو يجود على غيره، ثم يأتي تحفيز رائع في الآية ليسارع المسلم في الإنفاق من خلال التذكير بسرعة انقضاء الدنيا ومجيء يوم الحساب، ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه الإنسان إلا عمله الصالح الذي من أهم جوانبه التصدق بما رزقه الله وأكرمه به.
لنستمع أحبابي إلى هذه الآية الكريمة في سورة البقرة وهي تدعونا معاشر المؤمنين إلى الإنفاق راجين الله أن نكون من أهل الجود والكرم ليتفضل علينا بجميل عطائه وفيض كرمه، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ»، وها هي آية كريمة أخرى ترسم صورة بهية زكية عن الأجر الكبير للإنفاق، يقول الله تعالى فيها: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ»، مثل ولا أروع ولوحة ولا أجمل، إن أثر العطاء لمبارك، وأمره لجليل، وثماره تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، إنها تشبه تلك الحبة من القمح التي تنتج سبع سنابل تتواضع انحناء لامتلائها بحبات القمح، فإذا بعد البذر حقل ممتد وحصاد وفير… والآية في رسمها البديع لهذه المشهدية الرائعة ترسل ظلالا بعدم استصغار الإنفاق فقليله مع الإخلاص كثير والله واسع كريم، ورب درهم سبق ألف درهم، وشق تمرة من إنسان قد لا يملك إلا هي، تغدو جبالا من الحسنات وفضل الله عظيم.
وكما أن للإنفاق آدابه؛ فإن حوله محاذير قد تبطل مفعوله وتمحق أثره، عندما ينطلق صاحب العطية من نفس متكبرة مستعلية ترى في قليل ما جادت به منقبة عظيمة ومكرمة جليلة، فنراها تتباهى بها وتتفاخر بمزاياها، ثم تنطلق في كل جمع تتحدث عن عطاياها لفلان وعلان مذكرة إياه -بمناسبة وبغير مناسبة- بجليل نعمها عليه وجميل فعالها معه.
في هذا وأمثاله يأتي الخطاب القرآني له محذرًا، مهذبا يرسم صورتين مختلفتين شتان بينهما روحا ومضمونا وإن تشابه الظاهر، يقول تعالى: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ»… «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ».

 

الصدقة تعيد التوازن الاجتماعي – 

هلال بن حسن اللواتي –

«تتأكد أهمية الصدقة في أنها تعيد التوازن الاجتماعي في كثير من أبعاده المتعلقة بالمادية والروحية والفكرية والسلوكية، وتحافظ على التوازن الطبقي في المجتمع الواحد، فوجود محتاج في المجتمع الواحد اختبار من أفضل وأشد الاختبارات التي يمر بها الفرد بل والمجتمع».

الصدقة إحدى أهم روافد التكافل الاجتماعي، ومن خلالها تظهر وحدة المجتمع، وإنسانيته، وتكاتفه، وتراحمه، وتعاطفه، ومن خلال الصدقة تظهر أيضًا الشخصيات التي تتمتع بلين القلب، وبالمقابل يكشف ارتفاع القسوة من قلوب أفراد المجتمع، ويكشف عن سقوط الأنانية، والتكبر، والبخل، أجل إن التصدق يكشف عن الفضائل التي يتمتع بها المتصدق كالكرم والجود والاعتدال في القوة الغضبية والشهوية.
وتتأكد أهمية الصدقة في أنها تعيد التوازن الاجتماعي في كثير من أبعاده المتعلقة بالمادية والروحية والفكرية والسلوكية، وتحافظ على التوازن الطبقي في المجتمع الواحد، فوجود محتاج في المجتمع الواحد اختبار من أفضل وأشد الاختبارات التي يمر بها الفرد بل والمجتمع أيضًا. فأما الفرد فهو مخاطب بضرورة الاهتمام بالمسلمين، فقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين: «من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم»، وأمور المسلمين تنقسم إلى قسمين أساسيين، كما أن الاهتمام أيضًا ينقسم إلى قسمين أساسيين، وهما: القسم الأول: الاهتمام المعنوي، والقسم الثاني: الاهتمام المادي.
وبالتوجه إلى النصوص الشريفة سنجد عنوان الصدقة لا ينصرف إلى القسم المادي فقط، بل نجده يشمل القسم المعنوي أيضًا، الأمر الذي يفتح أمام الجميع باب الصدقة، فكما أن الفرد الغني قد توجه إليه التصدق فإن الفرد الفقير والمسكين أيضًا يقدر على التصدق، فهو عنوان يتمكن الجميع من الدخول إلى ساحته بلا استثناء، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الصدقة من المفاهيم التفاعلية التي تقوم على بناء المجتمع، وعلى تفاعل اجتماعي بين أفراد المجتمع الإنساني.
إن أهمية الصدقة لا تقتصر على البعد الفكري أو الاجتماعي أو السلوكي أو الخُلقي فقط، بل هناك بعد آخر للصدقة والذي ذكرته النصوص الشريفة بما يتعلق ببعد «القانون التكويني»، وتقريبه أن هذا الوجود فيه قانونان، كما أنه متكون من عوالم غير العالم المادي، وأن القانونين وكذا العوالم مرتبطة ارتباطا وثيقا ببعضها بعضا، ولا يمكن فصلها عن بضعها بعضا، والإنسان بما لديه من علم ورؤى الأفق المحدود أدرك بوجود شيء لا يمكن أن يقاس أو أن يخضع لأدوات القياس المادية المتعارفة، إلا أن الذي يجعل الإنسان أن يعترف به هو إدراكه بالعقل وبآثاره التي تظهر في هذا الوجود الضخم.
فمثلما العقل يدرك بوجود شيء يحترق من خلال رؤيته للدخان من وراء الجبل، فإنه يدرك أن هناك أمرًا ما وراء تغيرات كثيرة على هذه الأرض إلا أن الإنسان لا يستطيع الوقوف على تحديد علله وأسبابه، ومعرفة حقيقته، ومن هنا نحن نحتاج إلى صانع هذا الوجود وموجد هذه المنظومة الوجودية الضخمة التي اكتشف الإنسان أنها ترتبط بعضها ببعض وبشكل مذهل عجيب، ولم يقتصر الارتباط بين الكائنات الضخمة بل قد اكتشفت «الفيزياء الكمية» أن الارتباط متحقق بين كل شيء من أصغر أجزاء الذرة إلى أكبر مجرة والذي عرف بــ«التشابك الكمي»، ولكن الذي لا يتمكن العلم الحديث من الوقوف عليه هو علله الحقيقية، إلا أن صانع هذا الوجود قد بين حقيقة ذلك الارتباط الوجودي بين الكائنات، (التشابك الوجودي)، وبين هذه الحقيقة في كتبه السماوية، ولعل أفضل كتاب بين هذه الحقيقة وبنحو شامل ودقيق هو (القرآن الكريم)، وتبعته السنة الشريفة في بيان هذه الحقيقة.
ونقول اختصارًا: إن النصوص الشريفة قد كشفت مما كشفت عن علاقة الصدقة ورابطتها بالتكوين الوجودي وما فيه من الكائنات بل وبالمنظومة الوجودية برمتها، فإليك بعض هذه النصوص، فقد جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى هذه الحقيقة: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}، فقد يتساءل الذهن عن حقيقة قوله تعالى: «وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ»، مع أنها تصرف ولا تبقى باليد، وما يصرف كيف يزداد؟!، فإذا الآية المباركة الأخرى تبين هذه الحقيقة بقوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مائَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، فإن الآية الكريمة تمنحنا شيئا مذهلًا؛ وهو: أن الذي ينفق في سبيل الله فإن نفقته مثل حبة السنبلة، التي تزرع ثم تنمو وإذا بها تحمل في سنبلها 7 سنابل، وكل سنبلة منها تحمل 100 حبة، فتأمل كيف تحولت الحبة الواحدة إلى 700 حبة، والقرآن الكريم بين أنه ما يرزقه الله تعالى لا يقتصر على مجرد 700 ضعف، بل ضعف هذا الضعف وهو: 1400، وذيل الآية الكريم تذهل أكثر إذ تذكر بأن الله تعالى واسع عليم، فهي تبين العطاء الإلهي، والعطاء الإلهي لا متناه، فهذا يعني أن الرزق الذي سيحصل عليه الإنسان سيكون لا متناه. وتحليل هذا المطلب هو وفق القانون التكويني الذي تؤكد النصوص الشريفة وجوده، وقد سمته النصوص بعدة مصطلحات منها: السنة الإلهية، أو السنن الإلهية، والبعض يحب أن يسميها بسنن التاريخ، أو بسنن التكوين، والأمر سهل إن شاء الله تعالى، والقرآن الكريم قد ذكر الكثير من مظاهر هذا القانون التكويني إلى درجة تزيد على 85% من الآيات المباركة.
فالنظام التكويني موضوع على نحو أن مَن ينفق الأموال في وجه خير وفي وجه الله فإن أمواله تتضاعف، وتحل فيها البركة، لاحظ هذه الرواية الشريفة، فقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين: «الصدقة تدفع البلاء، وهي أنجح دواء، وتدفع القضاء وقد أبرم إبرامًا، ولا يذهب بالأدواء إلا الدعاء والصدقة»، وورد أيضًا: «تصدقوا وداووا مرضاكم بالصدقة، فإن الصدقة تدفع عن الأعراض والأمراض، وهي زيادة في أعماركم وحسناتكم»، وورد أيضًا: «استنزلوا الرزق بالصدقة»، والصدقة كما أنها متعلقة بالفرد فإنها أيضًا متعلقة بالمجتمع، فإن أفراد المجتمع إذا تحركوا في سبيل توزيع الصدقات، وقاموا بإنشاء صناديق للمحتاجين، وبإنشاء حسابات خاصة، وتوزيعات على المحتاجين فإنهم بهذا التصرف يحصنون اجتماعهم وإنجازات مجتمعهم من العطب والبلاء.
وكما أن الصدقة متعلقة بالمادة فإنها أيضًا تتعلق بالمعنويات من قبيل الكلمة الطيبة، والابتسامة، ورفع الحجر من على الطريق، فإليك ما جاء عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين: «إن على كل مسلم في كل يوم صدقة»، قيل: «من يطيق ذلك؟»، قال صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين: «إماطتك الأذى عن الطريق صدقة، وإرشادك الرجل إلى الطريق صدقة، وعيادتك المريض صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وردك السلام صدقة»، وورد أيضًا: «كل معروف صدقة»، وهذا يعني أن مثل هذا النوع من الصدقة كل إنسان يقوم به بلا استثناء، وهذه دعوة للجميع أن يكونوا بمستوى التفاعل الاجتماعي بنحو من الأنحاء، فإن كل ذلك يدخل في الصدقة إن شاء الله تعالى. وقد نصت الروايات الشريفة أن نشر العلم صدقة، وإصلاح بين الناس صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها الإنسان إلى الصلاة صدقة، وطلب الحلال للعيال صدقة، والتبسم في وجه الأخ المسلم صدقة، وهكذا تتنوع صور الصدقة ومصاديقها بالمجتمع. فعلى الإنسان أن يحمل في نفسه هم الاهتمام بالآخرين، وأن يكون عاملًا فاعلًا في المجتمع فإن هذا يدخل في دائرة الصدقة ولها آثار جميلة وعظيمة في حياته وفي محيطه من الأسرة والعائلة، إن شاء الله تعالى.