«الإخلاص والتذكير بنعم الله والتأكيد على حرمة الدم الإنساني والتواصي بالتقوى».. أهم ركائزه

قراءة في نداء سماحة الشيخ الخليلي إلى أهل اليمن –
دكتور: أحمد حسن الأزهري –
كلية أصول الدين – جامعة الأزهر – القاهرة –

للناس إزاء قضايا عصرهم ثلاثة مواقف: طرفان وواسطة. الطرف الأول: يكاد يغفل أهلُه عن قضايا عصرهم إغفالًا كاملًا ويبدو وكأنهم يعيشون خارج هذا العصر وقضاياه وأحداثه. والطرف الثاني: يكاد يغلو أهلُه في الانغماس في قضايا العصر وأحداثه ويحاولون تناول هذه القضايا بالتنظير والبحث عن حلولها غير أن محاولتهم هذه قد تحكمها العصبية وتتأثر بالجهل أو الهوى.
أما أهل الوسط: فهم أولئك الذين لا يغفلون عن قضايا عصرهم وفي الوقت ذاته نجدهم في محاولتهم إيجاد الحلول لما يعرض لواقعهم من قضايا وأحداث لا تحكمهم العصبية ولا يتركون أنفسهم فريسةً للجهل أو الهوى. وفي عالمنا الإسلامي المعاصر -بحمد الله تعالى- دعاةٌ كثر ينتمون إلى ما أسميناهم بأهل الوسط والذين لا يهابون في الحق أحدًا ولا يخافون في الله لومة لائم، وهم -كما وصفهم الشيخ محمد الغزالي- جيش الدفاع عن الإيمان يشبهون الجيش الموكل بحراسة الأمن.
ويُعدُ سماحة الشيخ أحمد الخليلي -حفظه الله- واحدًا من أهل الوسط في الفكر الإسلامي المعاصر؛ إذ لم يكن سماحته يومًا من أولئك النفر الذين انفصلوا أو فصلوا أنفسهم عن عصرهم وما يشهده من قضايا وأحداث.
كما أن فضيلته لم يكن يومًا من أولئك النفر الذين تدفعهم العصبية أو يحكمهم الجهل أو الهوى في معالجة قضايا العصر.
والشواهد على ذلك -أي: ما ذكرته من اعتبار الشيخ الخليلي في علاقته بقضايا عصره من أهل الوسط- كثيرةٌ منها: ما قد وصلني منذ عدة أيام -كما وصل عموم المسلمين في أنحاء المعمورة- عن طريق بعض الأحبة من السلطنة والذين قد غمرني كرمُهم وحسن أخلاقهم أثناء زيارتي للسلطنة في الفترة من أواخر شهر فبراير إلى منتصف شهر مارس عام 2018م؛ لجمع المادة العلمية الخاصة بموضوع رسالتي والتي حصلت بها على درجة العالمية (الدكتوراة) وكانت عن سماحة الشيخ الخليلي -حفظه الله.
أقول: من هذه الشواهد ما وصلني من بعض الأحبة في السلطنة من ذلك النداء الحق الواضح المبين الذي توجه به سماحةُ الشيخ إلى أهل اليمن، والذي إن دل على شيء فإنما يدل على صدق ما ذهبتُ إليه من أن سماحة الشيخ الخليلي يمثل أهل الوسط الذين يعيشون قضايا عصرهم ويتسم معالجتهم لها بالموضوعية والحياد والحرص على ما ينفع المسلمين ويعود بهم إلى الوحدة بدلًا من الفرقة والشتات. وقد اشتمل نداء سماحة الشيخ الخليلي لأهل اليمن على عددٍ من الركائز الأساسية أرى ضرورة الأخذ بها والاعتماد عليها للخروج باليمن الحبيب وأهلها من الفتن الكبرى التي يحيونها هذه الأيام. ويمكنني تلخيص أهم هذه الركائز -إجمالًا- فيما يلي: أولًا: الإخلاص في الدعوة إلى وحدة الصف ولم الشمل. ثانيًا: تذكير المتنازعين بما منَّ اللهُ به عليهم من النعم والفضائل. ثالثًا: التأكيد على حرمة الدم الإنساني. رابعًا: التواصي بالتقوى. وفيما يلي تفصيل موجز بهذه الركائز التي أقام سماحة الشيخ نداءه لأهل اليمن الحبيب.
الركيزة الأولى: الإخلاص في الدعوة إلى وحدة الصف ولم الشمل: تتمثل حقيقةُ إخلاص الداعي في دعوته في أن يعمل الداعي في دعوته ولا يُريد بها إلا وجه الله تعالى، ولا ينتظر من أحدٍ جزاءً ولا شكورًا على دعوته، فالإخلاص هو أساس الدعوة الصادقة وضمان نجاحها، فإن الداعي إذا كان خاليًا من الأغراض الدنيوية ومخلصًا في دعوته يكون مقبولًا بين الناس، أما إذا كانت دعوتُه لغرض دنيوي أو لمصلحة شخصية فلا أثر لدعوتِه في قلوب المدعوين. هذا وقد كان سماحةُ الشيخ الخليلي صريحًا في بداية ندائه لأهل اليمن على التأكيد على هذه الركيزة المهمة وهي الإخلاص في دعوته أهل اليمن إلى الوحدة وترك الشقاق والفرقة.
فنجده يؤكد ذلك في قوله: (فهذا نداء أخوي إلى الشعب اليمني الشقيق الذي يسيل دمُه مدرارًا بأيدي أبنائه، وتباد ثرواته وتبدد خيراته بتلك الأيدي التي كان حريًا بها أن تحرص على بناء اليمن الشقيق لا على هدمه، وأن تسعى إلى ألفته لا إلى تنافره، ولم أردْ بهذا النداء إلا وجه الله تعالى).
أقول: لما كان سماحته مخلصًا في ندائه شاء الله تعالى أن يصل هذا النداء إلى المسلمين في اليمن وغيرها من البلاد سائِلًا المولى – عز وجل – أن يكتب لهذا النداء القبولَ بين أهل اليمن بفضله تعالى ثم بفضل إخلاص صاحبه.
الركيزة الثانية : تذكير المتنازعين بما من الله به عليهم من النعم والفضائل: اعتمد سماحةُ الشيخ الخليلي في جانب من جوانب ندائه على تذكير المتنازعين من أهل اليمن الشقيق بما ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – من مدائحَ وفضائل في حقهم والتي من شأنها أن تَحولَ بينهم وبين الوقوع في فتنة التقاتل والتفرق حيث قال: (وكم للشعب اليمني الأصيل من مزايا هي حرية بحجزهم عن الاندفاع إلى سعير الفتنة، حسبهم شهادة النبي – صلى الله عليه وسلم – الثابتة عنه في رواية الشيخين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – «أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبًا، وأرق أفئدةً، الإيمان يمان، والحكمة يمانية … » فليت شعري ؛ أين ذهبت هذه المزايا، وكيف بددتها الأهواء وطمستها الفتن ؟! فأين رقة الأفئدة ولين القلوب، وأين الإيمان والحكمة ؟!).
وأقول: لقد وُّفِقَ سماحة الشيخ الخليلي أيما توفيق في هذه الركيزة التي تعتمد على محاولة إعادة أهل اليمن المتنازعين إلى رشدهم من خلال تذكيرهم بشهادة سيد الخلق – صلى الله عليه وسلم – لهم باللين والإيمان والحكمة وكلها صفات ومدائح تتعارض كل التعارض مع ما تشهده اليمن الآن من فتن القتل والتدمير والخراب.
الركيزة الثالثة: التأكيد على حرمة الدم الإنساني: تعيش اليمن في هذه الأيام -والعديد من بلاد العالم الإسلامي- واحدةً من علامات الساعة التي أخبر عنها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهي: القتل وإراقة الدماء، وذلك في قوله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «لا تقوم الساعة حتى يَكْثُرَ الهَرْجُ. قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القَتْلُ القَتْلُ».
وقد حرص سماحة الشيخ الخليلي في ندائه لأهل اليمن لدرء الفتن التي يعيشونها هذه الأيام على التأكيد على حرمة الدم الإنساني والتحذير من إراقته بغير وجه حق مستشهِدا على ذلك بالعديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.
وأقول: لقد أحسن الشيخ الخليلي اختيار هذه الركيزة المهمة المؤكدة على حرمة الدم الإنساني فإن الدماء لها حرمة، فإن الله – تعالى – هو الذي خلق الإنسان وكرَّمه، وأنزل من أجله الكتب، وأرسل من أجله الرسل، ووضع له شريعةً محكمةً تضمن له السعادة في الدنيا والآخرة، وتضمن له حقَّه ومن أعظم هذه الحقوق: حق الحياة، ذلكم الحق الذي ليس من حق أيِّ أحدٍ أن ينتهك حرمته أو أن يستبيح حماه ؛ لأن الله – تعالى – وحده هو واهب الحياة ، ولا يجوز أن تُنتهك الحياة إلا في حدود شريعة الله – تعالى – وعلى يد ولي الأم ، وليس الأمر متروكًا هكذا لأيِّ أحدٍ ليقتل من شاء، في الوقت الذي يشاء، فالدماء لها حرمة والحياة لها حرمة.
الركيزة الرابعة: التواصي بالتقوى: وفي ختام سماحة الشيخ الخليلي لندائه لأهل اليمن يضع هذه الركيزة المهمة من مرتكزات درء الفتن في اليمن – وغيرها – ألا وهي التواصي بتقوى الله – تعالى -. حيث أوصى سماحته في ختام النداء فقال: (وأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله؛ فإن تقوى الله – تعالى – هي نجاة من كل بلاء، وعصمة من كل مخوف، وقوة من كل ضعف، وهداية من كل ضلالة، وألفة من كل افتراق، ووحدة من كل شقاق).
وخِتامًا أقول: هذه هي أهم ركائز درء الفتن والتي وفقني اللهُ – تعالى – في استخلاصها من نداء سماحة الشيخ أحمد الخليلي إلى أهل اليمن، ذلك النداء الواضح المبين الذي يدل على كون سماحة الشيخ الخليلي مفكِرًا واقِعيًا ذا نشاطٍ وحركةٍ مستمرةٍ وواعيةٍ تدفعه لمتابعةِ قضايا وأحداث عصره بعنايةٍ بالغةٍ ومعالجتِها بمنهجيةٍ واضحةٍ تنشدُ تحقيقَ الوحدةِ ودرءَ الفتنِ وأسبابِ الفرقةِ والشقاقِ بين أبناءِ المجتمعِ الإسلامي.