فـي تمثـيــلات الـهـوية الإنـسانـية

محمد جميل أحمد –
طالما ظن كثيرون أن التفكير في الهوية الإنسانية شكل من أشكال التفكير الرمزي الذي يصلح لأن يكون رابطة ذهنية، أو علاقة مجردة، لا تستقيم لإنتاج علاقات مباشرة بين البشر، طالما أن الإنسان محكوم بالأطر والسياقات التي تؤطر طبيعة استجابته وتفاعلاته بمحيطه المباشر وعلاقاته الحسية المنظورة.
لكن المفارقة، أن الأديان والعلوم والمعارف تؤكد لنا يوماً بعد يوم، أن ما هو إنساني هو في الحقيقة جزء من المشترك الذي يمكن أن نتواطأ عليه إذا تجاوزنا النظرات الضيقة والتحيزات المباشرة والأنساق التي تؤطر نمط تفكيرنا.
ما هو إنساني كذلك، ذو علاقة بالخيال، بمعنى أن الخيال كلما وسع دائرة تأملاته أصبح أكثر انفتاحاً ورحابة في فهم المشترك الإنساني. لذلك فإن محدودي الخيال هم كذلك أشقى الناس لمحدودية آفاقهم.
وفي هذا الجزء المتصل بالخيال يعكس الإبداع مفاعيله التي تختبر تجارب المبدعين (بالمعنى الشامل للمبدعين؛ كالمخترعين والعلماء والقادة السياسيين والدينيين والطباخين والأدباء) ذلك أن لحظة الخيال هي لحظة الإبداع كذلك.
وفيما يظل البشر في غالبيتهم غير قادرين على إدراك حيثية الإبداع (لأن الإبداع استثنائي في حياة البشر) لكنهم بطبيعة الحال لهم استعداد بالقوة والفعل على التفاعل مع نتاج المبدعين في مختلف شروط حياتهم؛ بالمعنى الذي يمكننا من القول: إن كل لحظة يتمتع فيها عامة البشر بثمرة من ثمار المخترعات والأفكار والقيم هي كانت (قبل ذلك) لحظة اغتراب إبداعية في ذهن المبدع الذي يكون قادراً على رؤية شرطها الخاص به بما يجعله قادراً على جلب التجربة من حيز خياله الخاص وتحويلها، بعد ذلك، إلى شرط عام مشاع لتيسير حياة البشر وحاجياتهم (لحظة اكتشاف الكهرباء في ذهن مخترعها نموذجاً).
كذلك في عالم الأفكار والقيم، يلعب الخيال الإنساني دوراً كبيراً من حيث قدرة المبدعين على رؤية القيم العليا، فالقيم العليا يمكن للبشر العاديين أن يتخيلوها لكنهم (في غالبيتهم) ليس لهم قدرة فردية استقلالية على إدراك حيثيات قوتها الأخلاقية، ولهذا فإن المبدعين هنا أيضاً، هم الذين يكونون بمثابة الجسر الواصل بين عامة البشر وبين القيم الإنسانية العليا. بيد أن المبدعين هنا، ليسوا بالضرورة ممن يشملهم تعريف المبدعين الذي أصبح اليوم خاصاً بالأدباء والشعراء. بل هم كذلك، مبدعون في السياسة والثورة والإصلاح الديني والاجتماعي.
إن اللحظة التي تجعل أولئك المبدعين في المجالات المذكورة آنفاً، أكثر قدرة على استحضار القيم والأفكار وتمثُّلها، هي لحظة تفكير إنساني بامتياز. ولكن لأن استحقاق التمثُّل الإنساني للقيم، ليس كمثل ثمرة المخترعات المادية، فإن شرط انخراط عامة البشر للتجاوب مع الأفكار والقيم وانتصارهم لها (كما يتمثلها أولئك المبدعون سيكون) فقط، في حالة تضحيات أولئك الأفراد الممتازين في سبيلها أو الاستعداد لدفع الثمن الذي تتطلبه التضحيات من أجل تلك الأفكار والقيم بمختلف ضروب الأثمان وصولاً للموت في سبيلها.
تلك هي أمثولة التاريخ في هذا الجانب من الإبداع البشري المتصل بالأفكار والقيم. ذلك أنه ليس في وسع البشر العاديين أن يجعلوا من المثل العليا خبزاً يومياً لحياتهم وفقط بتصورهم المجرد لتلك القيم، بل لابد من تجارب وتضحيات لأفراد ممتازين مبدعين؛ يبصرون تلك القيم في خيالهم بما يعكس تضحياتهم واستعدادهم الدائم لها بتلك التضحيات في سلوكهم كشرط ضروري؛ لكي يتحرك البشر العاديون، بعد ذلك، للاستجابة لها متتبعين خطى رواد الإبداع الإنساني.
بهذا المعنى، سنجد الانعكاس الحقيقي لتمثيلات الهوية الإنسانية الكامنة في الإبداع بطرفيه المادي والقيمي، متمثلاً في تلك المفردات غير المتناهية التي يعيش بها البشر تفاصيل حياتهم عبر لحظات الإبداع المتجددة (بعد انبثاقها أولاً في عقول روادها الإنسانيين) ثم صيرورتها، بعد ذلك طبيعةً من مفردات حياة البشر وعادياتهم.
إن أمثولة الوعي، وفق هذا التأويل للهوية الإنسانية؛ تطرح أفكاراً جديرة بالتأمل؛ فإذا كنا ندين في مطلق حياتنا العادية لهذا الإبداع الإنساني المتنوع الوجهة والمكان، والذي صار (بعد لحظة إبداعه الأولى) صيرورة عادية مشاعة لملايين البشر؛ فإن اختبار حقيقتنا في المشترك الإنساني تستحق اليوم؛ ما أصبحت تدلنا عليه في العالم الحديث؛ كثير من ثمرات التكنولوجيا والتواصل البشري والأنماط المختلفة في مظهرها والمتحدة في هوية حياتنا.
إن المتخيل المشترك (كفكرة الوطن مثلاً) لا يمكن أن يسكن وعينا إلا بكونه مجرداً في حقيقته الذهنية، لكن تكثيف مفردات فكرة الوطن؛ في علاقة المواطنة وفي نظام الذاكرة الجمعية والتصورات العامة للحياة، وفي البنية الرمزية للفنون، وفي فكرة الحدود التي تؤطرنا ضمن جغرافيا سياسية محددة؛ كل تلك العلاقات والتصورات تجعل لفكرة المتخيل المشترك انطباعات وعقائد راسخة ومعروفة في وعينا وإدراكنا تجعلنا نفكر فيه بصورة لا واعية، وكما لو أنه جزء من الطبيعة ومن الحياة!
هكذا، يمكننا أن نرى قوة الهوية الإنسانية؛ حين نختبر معانيها في مفردات لا متناهية من حياتنا العامة، قد لا ندرك أننا (إذ نتمثلها في تلك المفردات) إنما نتمثل حالةً من تعبيرات هوية إنسانية مشتركة ؛ تكمن وراء ذاكرة وقوانين وأعراف!