مخاوف اقتصادية

مصباح قطب –

لا صوت اليوم يعلو فوق صوت الخوف من ركود عالمي وشيك. بالطبع فإن الرئيس الأمريكي لا يعتقد ذلك، ومستشاره الاقتصادي أيضا، و إن كان من يرون أن الركود مقبل قد ذكرونا منذ يومين بأن الأخير كان قد قال قبل ستة اشهر من أزمة 2008 انه لا يرى في الأفق أي أزمة، أي أن كلامه ليس له مصداقية.
عمليا فالخلاف حول التوقعات وصحتها والمدى الزمني وعمق الركود المرتقب وآليات تفجره وانتشاره اكبر كثيرا من أن تكون مجرد سجال بين ترامب ومعارضيه. ولقد برز في الأسبوعين الأخيرين بنحو خاص إلحاح على أن حدوث انقلاب في معدل عائد السندات الأمريكية الأمر الذي اصبح معه عائد السندات الأطول أجلا اقل من الأقصر أجلا هو دليل حاسم أو على الأقل من القوة بمكان على أن الركود قادم. مفهوم طبعا أن السندات طويلة الأجل تنطوى على مخاطر اعلى – حيث الغموض اكبر فيما يخص المستقبل الذي يمتد الى 3 عقود في بعض السندات – ولذا فعائدها عال، وأن القصيرة مخاطرها اقل لأنه من الممكن بناء توقعات واضحة بشأنها. وعندما تصبح القصيرة اعلى عائدا فمعنى ذلك أن المخاطر عالية في المدى المنظور أي أن الركود قادم بكل ما يحمله ذلك من تبعات وانعكاسات على الأسهم والسندات والاستثمارات المالية وغير المالية والبنوك والتأمين… الخ. ولقد قال أهل «وول ستريت» على مدار الأيام الفائتة أن انقلاب معدل العائد ارتبط بمقدم الركود عبر اكثر من ستين عاما ولم ينفك الترابط بينهما سوى في مرة واحدة طوال تلك الحقبة . ومنذ أيام قال وزير مصري سابق أن ثمة أزمة اقتصادية عالمية ضخمة مقبلة بسبب حدوث ظاهرة انقلاب العائد هذه وتبعه رجل أعمال فائق الشهرة ليؤكد المعنى نفسه ومع كل ما تقدم فقد اشتبكت مع الرجلين ومع غيرهما واشتبك آخرون قبولا أو رفضا ويمكنني أن أقول أن انقلاب معدل العائد هو أزمة تخص المستثمرين الماليين الى حد كبير أو ربما بشكل كلي لكنها لا تعني الكثير للاقتصاد العالمي وركوده المرتقب أو عدم ركوده. وأقول أيضا إن لدى وول ستريت قدرة فذة على تحقيق نبوءاتها بأيديها أي أن تظل تلح على فكرة ما الى أن تتحقق الفكرة ولديها الأدوات لذلك. الغريب أنها تفعل هذا ولو كان فيه خسارة كبيرة لها لكن ظني أنها ترى أحيانا انه لا مناص عن فوضى خلاقة بين وقت وآخر لكي يعاد بناء هياكل الاستثمارات المالية وإعادة توزيع خرائطها ومخاطرها. لقد قال الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان بكل بوضوح ذات يوم: إن كل ما يهم « وول ستريت» يهم أمريكا وهذه هي النقطة التي أود أن نناقشها دائما خاصة عند كل منعطف خطر في الاقتصاد العالمي ونحن بإزاء مثل ذلك المنعطف بالفعل…. منذ أزمة الكساد الكبير الذي امتد من 1929 الى 1934 وهو الكساد الذي أدى في النهاية الى الحرب العالمية الثانية تمت مضاعفة إيقاع الربط بين سوق المال وما يمكن أن يحدث في النشاط الاقتصادي العالمي نتيجة أزمات هذا السوق بحيث انه يجرى بالفعل وفي كل الميديا الكبيرة العالمية عمل هذا الربط الميكانيكي بين الاثنين بشكل مباشر أو غير مباشر في كل لحظة تقريبا لكن لم يوضح احد أبدا الطبيعة الخاصة لكل حقل منهما أو كيف أن (وول ستريت) و بعيدا عن «الدي رجيوليشن» الذي يسمح بالكثير من الفقاعات والانفلاتات ، لا تعبر أبدا بشكل كامل عن الاقتصاد العالمي، وان التحولات التي تحدث في مؤشرات البورصات لا تعني بالضرورة حدوث مثلها في الاقتصاد الحقيقي، واذا قيل إن البورصة تعكس التوقعات والمستقبل فإنه يحدث كثيرا جدا أيضا أن ترتفع الأسهم ويحدث الانهيار في المستقبل ذاته وما أزمة 2008 إلا تطبيق نموذجي لذلك. شراء المستقبل في البورصات العالمية وأسواق المال ما هو في اغلب الحالات سوى تعجيل ماكر بأزمات لا يريد احد أن يواجهها أو يتصدى لها ببساطة لأن وول ستريت تملك الكثير جدا من النفوذ السياسي في أمريكا أو غير أمريكا. فالشراء ودفع الأسعار الى الغليان يقودان حتما الى وجوب التصحيح وبقدر ما تكون المضاربات صاخبة بقدر ما يكون الانهيار مدويا. الجانب الآخر من قصة وول ستريت أن اخطر ما يواجهه العالم اليوم هو الديون العالمية المتفجرة والتي لا يمكن أن تستمر على هذا المستوى ولا حل لها إلا بتخفيض الاستهلاك في الدول المدينة لعمل وفورات تسمح بسداد الديون ومن شأن ذلك إحداث ركود، أو معالجة الداء بالداء أي خفض الفائدة من اجل السماح بموجة اخرى من الاقتراض يتم من خلالها تسوية الديون القديمة وترحيل الأزمة الى أن تأتي لحظة تصبح فيها اكثر خطوة وهكذا. نعود الى توقع الركود ونشير الى أن صندوق النقد قام اكثر من مرة بتعديل توقعاته للنمو العالمي ونبه الى المخاطر المحيطة بالنظام الاقتصادي العالمي حتى من قبل اندلاع الصراع الصيني الأمريكي لكنه لم يتطرق الى التأكيد بان ركودا وشيكا سيقع. صحيح أن خروج بريطانيا من خلال بريكست وأزمات ديون الشركات في أمريكا والصين وتباطوء الإنتاج الصناعي في الصين وألمانيا والحروب القائمة في المنطقة واشتعال الموقف حول مضيق هرمز ، كلها تقول بأن ثمة ما سيترك بصمات قاسية على النمو العالمي وعلى الطلب عموما لكن هناك أمر جديد لم يحدث في العالم بهذا الوضوح من قبل ألا وهو أن الخوف من الحرب التجارية اصبح يخضع تقريبا لما يخضع له شقيقه الخوف من الحرب العسكرية. كما أشرت فقد كانت الحربين الأولى والثانية حلا لأزمات الأسواق الرأسمالية في وقتيهما ويعتبر أستاذة الاقتصاد السياسي طوال الوقت أن الحرب احد أدوات الرأسمالية لتصحيح نفسها واستعادة التوازن حيث تدمر الحرب أصولا إنتاجية وتبعدها عن السوق فيعود قدر من التوازن ثم إن الحرب تدمر مع ذلك أيضا البنية التحتية والموارد ويحتاج إحياء كل ذلك إلى استثمارات ضخمة من شأنها أيضا تنشيط الطلب وبذا يتأكد التوازن وتستعاد الدورة الاقتصادية حيويتها لكن تأكد أمام أعيننا في أزمة الخليج وربما في مواقف اخرى استحالة تكرار ذلك. مثلا عند قيام تركيا بإسقاط الطائرة الروسية (وحيث كان الرد الواجب أو المنطقي هو شن هجوم روسي مضاد انتقاما). إن الدول تتجنب الحرب بأكبر قدر مستطاع لأنها أصبحت تدرك أن الخراب الناتج عنها لا يمكن احتماله. نفس الشيء اصبح في الحرب التجارية فقد أدرك الجميع وبمن فيهم ترامب نفسه أن التشابك الإنتاجي والتداخل في سلاسل القيمة بلغ حدا اصبح من المستحيل عمليا معه خوض حرب الى مالا نهاية مع بلد خصم أو منافس أو مهدد كالصين – للأمن القومي الأمريكي كما يقول ترامب ومعه فريقه وآخرون – لان التكلفة اكبر من قدرة أي طرف على تحملها. ستمضي الأيام إذا بتنازلات هنا وتشددات هناك… توافقات هنا ونزاعات هناك وهكذا والمعنى انه يمكن حدوث تباطؤ قوي أو متوسط لكن استبعد حاليا انهيارا اقتصاديا كبيرا. الغريب أن المساحة المتاحة لإشعال حروب تقليدية – وتلك أيضا احد أدوات الدول الكبرى – تتقلص إذا لم يعد من السهل التلاعب بقادة وشعوب المنطقة وهي ميدان مهم للنزاعات بعد أن باتت اللعبة محفوظة لحد كبيرة جدا. لكل ذلك أقول إن من اليقيني حدوث تراجع في معدل النمو العمالي وتضررات عنيفة في بعض الأسواق فلم يعد هناك كما قلنا سوق واحدة في أي بلد أو على مستوى العالم لكن هناك حدودا سيتم الوقوف عندها في لحظة ما، ثم معاودة الكرة تصعيدا وتهدئة، وهكذا الى أن تتغير المعادلات تغيرا حاسما.