عطر :أحب الفن الهابط

رنـــــدة صـــادق –
نعم، أحب الفن الهابط، ولماذا لا أحبّه وقد تحول من الاستثناء الى القاعدة، ومن النادر الى المتفشي، ومن المرفوض إلى المقبول؟.
الموت مع الجماعة رغم قسوته يصبح عاديا، والجريمة تشاع عندما لا تجد القوانين الحاسمة في مواجهتها، والقيم تنحدر أن لم تجدد نفسها وتعيد التكيف مع حاجة المجتمع المغموس بالحركة السريعة والذي أنشأ عالما موازيا اسمه «المجتمع الافتراضي» القادر على نشر النار في الهشيم بكبسة زر، وهذا الحب لم أكتشفه إلا من فترة وجيزة، خاصة أني كنت أظن أن المشهد ليس بهذه البشاعة وان بعض النقاد يبالغون في تضخيم ما يحدث للأغنية بشقيها الموسيقي والكتابي. القضية ليست بسيطة ولا يمكن تجاهلها، لا أحد ينكر ان عبد الحليم حافظ في بداياته مثلا، لم ينظر الى أغانيه كقيمة تجعله من مبدعي الصف الأول، بل على العكس فإن أغنية «صافيني مرة» التي من الصعب أن تموت وهي من كلمات سمير محجوب، وألحان محمد الموجي، حيث غناها للمرة الأولى في أغسطس عام 1952م، رفضتها الجماهير في البداية لأنه لم يكن الناس على استعداد لتلقي هذا النوع من الغناء الجديد.
وأغان كثيرة على مراحل طويلة من تاريخنا الموسيقي، يمكن ذكرها فمن المؤكد أن الخلطة الرحبانية لم تعتقد أنها ستكون صرحا وأثرا تتناقله الأجيال ويقف الجميع أمام كلماتهم وألحانهم، فكما يقول عاصي الرحباني «طبيعة لبنان هي اللي بتغذّينا بكل ما منكتب ومنلحّن، نحنا منحب كل شي بلبنان، منحب التلال الصخرية، منحب الشجّر، منحب الأرض والفلاح اللي بيزرع، منحب الشتي والعاصفة ومنحب الرّيح.. كل شي بلبنان منحبّو وغنّيناه ووصفناه! شوفي هالتلال قدّامنا.. هيدي بيطلع من وراها القمر وبيبقي قريب كتير من علينا.. وهيك، نحنا والقمر جيران».
وكذلك من لا يذكر أغنية الفنان الشعبي المصري احمد عدوية «السح الدح امبو» والتي انتشرت في عام 1969، ولاقت نجاحا منقطع النظير، ولقد غناها عبد الحليم حافظ في إحدى الحفلات الخاصة، بحسب الروايات، فمن المستحيل أن ننسى روعتها وقد رقص على نغماتها شباب وشابات تلك المرحلة، وهي من ألحان فاروق سلامة، ولكن ماذا يحدث اليوم على ساحة الأغنية وخاصة في الأغنية الشعبية المصرية؟
موسيقى صاخبة كلمات هابطة وإيحاءات جنسية في كليبات غير مفهومة، انها ظاهرة غريبة تجتاح آذاننا وتستقر في أدمغتنا، جعلت كثر من الناس يتقبلون هذا النوع من الفن ويصيبهم مس شيطاني يجعلهم يتنططون ويرددون كلمات وكأنها حفلة فودو غايتها دعم العالم السفلي. نحن اليوم تجتاحنا موجات من الجنون المرتبط بنجومية الأغنية الضاربة، فبالطبع أغنية «هلا بالخميس» في الخليج، كانت مادة لكثير من المواقف والنكات والتركيبات وسيطرت على عقول الناس لفترة زمنية لا بأس بها.
أما في لبنان أغنية «جنو نطو» والتي حولت ساحات الرقص الى مباراة في القفز وملامسة السماء فحصادها كان الانتصار لكلمة «جنو» التي تأمر الجسد بالقيام بهلوسات الحركة. هذا الواقع تحول الى فيروس دمر سمعنا وأعمى أبصارنا، حتى وجدنا أنفسنا نسير مع الموجة بلا وعي ولا موقف إلا الاستسلام، ولكن كارثة الكوارث بالنسبة لي أن تحمل أغنية اسم «مافيا» «أو «شارب سيجارة بُني».
هل ما زال بإمكاننا التحرر أم انتهى الزمن الجميل والموسيقى الساحرة وأعلنا الحب على الفن الهابط ولا نملك إلا الاستسلام والخضوع للهجمة كي لا تقتلعنا رياح الجنون العابر لأحاسيسنا ؟