صعود وهبوط السلام

عاطف الغمري –

ربما يكون التعبير القائل بصعود وهبوط السلام على الأرض، يحمل مغزى هاما في تشخيص الوضع الراهن بشأن هذه القضية في أنحاء عديدة من العالم، وهو ما أعطى اهتماما زائدا للكتاب الذي يحمل نفس العنوان والصادر حديثا للبروفيسور مايكل ماندليوم أستاذ مادة السياسة الخارجية الأمريكية بجامعة جون هوبكنز، والذي صدرت له عشرة مؤلفات عن نفس السياسة، بالإضافة إلى اشتراكه في تحرير عشرة كتب أخرى.
وربما يحظى مضمون الكتاب بمجمله بترحيب كبير من الذين تولوا تقديم عرض تفصيلي له، في صحف عديدة، مع تركيزهم على نفس الجوانب الثلاثة التي اعتبرها أسبابا لهبوط السلام في العالم خلال السنوات الأخيرة، والتي تتمثل في سياسات بوتن في روسيا، وسياسات الصين، وكذلك إيران.
وإذا كان قد تحدث بشكل عام فيما يتعلق بالشرق الأوسط عن دور إيران وتحويل وتدريب ميليشيات تقاتل بالوكالة، في لبنان، وسوريا والعراق واليمن، فإن الأمر صحيح في حد ذاته، لكن أغفل الحديث عن تحمل دول غربية مسؤولية نظام الحرب بالوكالة في المنطقة، عن طريق تدريب وتمويل جماعات منشقة، وإرهابية، عملت خلال السنوات الأخيرة على توجيه ضربات شديدة للسلام عبر نشر الفوضى، والعنف، ومحاولة ضرب الاستقرار الداخلي، وكيان الدولة الوطنية.
وإذا كان قد تحدث عن أن تدمير سوريا قد أطلق طوفان الهجرات الجماعية ناحية أوروبا، وهو ما يؤثر على استقرارها، فقد كان ينبغي أن يوسع دائرة النظر إلى هذا الجانب، على الأقل فيما يتعلق بليبيا التي تحولت مؤخرا إلى معبر للهجرات غير الشرعية نحو أوروبا، وما ظهر من وجود تدخلات خارجية بعضها مرتبط بمخابرات غربية، بالإضافة إلى الدور التركي، حالت دون سيطرة إدارة الدولة الوطنية، في مواجهة الميليشيات الإرهابية الممولة والمدعومة من الخارج، والتي كانت تسهل عمليات التهجير غير المشروع من منافذ تفرض عليها رسوما مالية.
المشكلة إذن في توجيه ضربات للسلام الذي جاء ضمن عنوان كتابه، تتحمل مسؤوليتها أطراف متعددة، خاصة تلك التي كانت قد تبنت من البداية فلسفة الحرب بالوكالة.
وإذا كان المؤلف قد أبدى أسفه لما جرى من توفير فرص ظهور أوضاع الدولة الفاشلة، فليس هناك خلاف معه في مسؤولية أوضاع داخلية في خلق نظام الدولة الفاشلة لكنها مسؤولية مشتركة تتحملها أيضا الأطراف الخارجية المتنوعة، التي أطلقت مبادئ الفوضى الخلاقة، والعنف الدموي، وتغيير الأنظمة، والتي لا يمكن أن تخلق بديلا ناجحا للدولة الفاشلة.
وإذا كان المؤلف يعتبر أن السلام قد توفرت له فرص الانتعاش عقب انتهاء الحرب الباردة، إلى أن أصابه الهبوط منذ الثمانينات، فإنه قد جعل الأسباب تنحصر في أفعال ثلاث دول، بينما المسؤولية أكثر شيوعا ويتحملها عدد أكبر من صانعيها.
هنا – أضيف ما جرى بشأن القضية الفلسطينية، التي ظل يدور بشأنها لسنوات عديدة ما يسمى بعملية السلام، إلى أن تم نزع وصف السلام منها، بإطلاق سياسة منحازة بشكل مطلق إلى طرف من طرفيها دون الآخر، بحيث فقدت في الحقيقة كونها عملية من أجل السلام.