برميل بارود على وشك الانفجار

رشا عبدالوهاب –

تعلم الأطفال الباكستانيون أن كشمير هي (الوريد)، بينما تعلم الهنود أنها جزء لا يتجزأ من الجسد، وتغنى الشعراء بجمال كشمير (الجنة على الأرض)، المنطقة المنحدرة بعد سلسلة جبال الهيمالايا كانت مطمعًا على مدى التاريخ، وشهدت صراعات مريرة من أجل السيطرة عليها حتى هذه اللحظة، وعلى الرغم من أنها كانت تعيش وضعا مميزا خلال الاحتلال البريطاني للهند؛ فإن هذا الوضع لن يستمر بعد الآن، فقد شهد أغسطس الحالي بداية عصر جديد في المنطقة المضطربة من كشمير، التي من المحتمل أن تصبح أكثر اضطرابا وفوضى من أي وقت مضى.
ووسط انقطاع غير مسبوق للاتصالات في كشمير، أعلنت الحكومة الهندية إلغاء الوضع الخاص الذي كان يتمتع به الإقليم منذ الاستقلال من الاحتلال البريطاني عام 1947م، وأعلن أميت شاه وزير الداخلية الهندي، أمام البرلمان، أن الرئيس رامناثكوفيند وقع مرسوما يلغي المادة 370 من الدستور التي تمنح حكما ذاتيا خاصا لولاية جامو وكشمير ذات الأغلبية المسلمة، وهو المرسوم الذي دخل حيز التنفيذ فور إعلانه، وقدم شاه أيضا مشروع قانون لتقسيم جامو وكشمير إلى مقاطعتين تابعتين للهند، وتم إقراره في مجلس الشيوخ (راجيا سابها)، وبرر شاه القرار الأحادي بأنه يدفع المنطقة المضطربة نحو التنمية خصوصا مع ارتفاع معدلات البطالة.
وفي محاولة لمنع اندلاع أي اضطرابات في المنطقة، دفعت وزارة الداخلية الهندية بحوالي 8 آلاف من القوات شبه العسكرية إلى جانب 35 ألف جندي تم نشرهم في وقت سابق. وتاريخيا، أعطت المادة 370 لإقليم جامو وكشمير دستوره الخاص وحقه في صنع القرار في جميع المسائل الخاصة بالدفاع والاتصالات والشؤون الخارجية، وبالتالي؛ فإن إلغاءها ينهي الوضع الخاص لكشمير الذي كان بوابة موافقتها على الانضمام للهند، وهذه المادة جعلت من الضروري حصول الحكومة الهندية على موافقة المجلس التشريعي للإقليم على أي سياسات أو صلاحيات دستورية للهند، وفي القانون الجديد الذي عرضه وزير الداخلية الهندي، والذي وافق عليه مجلس النواب (لوك سبها) أيضا خلال جلسة تاريخية مرر خلالها أكثر من 36 قانونا، فإن جامو وكشمير لن تصبح ولاية بل ضمن الأراضي الهندية، مع تعيين حاكم لكل منطقة.
أما الجزء الثالث من المنطقة، الذي يحمل اسم (لاداخ) فسوف يكون إقليمًا ضمن الاتحاد الهندي بدون مجلس تشريعي، وجاءت الخطوة التي اتخذتها نيودلهي بعد حشد كبير للقوات في وادي كشمير، وبعد وضع رئيسي وزراء الإقليم عمر عبدالله ومحبوبة مفتي تحت الإقامة الجبرية، وتم قطع الإنترنت والاتصالات الأرضية بالإضافة إلى إغلاق المؤسسات التعليمية والمكاتب الحكومية كما حظرت التجمعات، وتم إلغاء الاحتفال الديني السنوي (أمارنات ياترا)، وطلبت السلطات من السائحين مغادرة الإقليم فورا، وتلقت حكومة ناريندا مودي دعمًا من أحزاب مثل (شيف سينا) وحتى من خصومه، وتغنى السياسيون من حزبه (بهاراتيا جاناتا) والقوميون الهندوس بالأغاني الوطنية بعد القرار.
ومن جانبه، قال عمر عبدالله: «إن التحرك الأحادي من حكومة الهند والقرارات الصادمة تعتبر (خيانة متكاملة للثقة)، وستكون لها عواقب وخيمة وبعيدة المدى، هذا اعتداء ضد شعب الإقليم»، والمفارقة أن قرار الهند هذا لم يكن مفاجئا، فقد حدثت خطوات تمهيدية للإعداد لهذا السيناريو حيث وضعت كشمير تحت حكم الرئيس الهندي، وتركزت القرارات الخاصة بالإقليم في نيودلهي منذ العام الماضي. وتاريخيا كانت الهند جزءًا من الإمبراطورية البريطانية، وكانت جامو وكشمير من الولايات (الأميرية) التي لها حاكمها الخاص، وكان آخرهم المهراجا هاري سينج، ولا تخضع لسيادة الإمبراطورية البريطانية الهندية، وبعد استقلال الهند، طلب المهراجا سينج، الحاكم الهندوسي للإقليم ذي الأغلبية المسلمة، أن تصبح جامو وكشمير منطقة محايدة مستقلة بين الهند ودولة باكستان الوليدة وقتها.
ومع ذلك، فإن الانتفاضة في المنطقة الغربية، التي كان يغذيها الباكستانيون واستهداف سينخ شخصيا، دفعه إلى تسليم سيادة الإقليم للهند مقابل مساعدات عسكرية، وأدى ذلك إلى اندلاع أول حرب كبرى بين الهند وباكستان، على الرغم من أن البلدين تورطا في صراع مرير منذ حصولهما على حريتهما، ونجحت القوات الباكستانية في السيطرة على الأجزاء الغربية والشمالية من الإقليم، إلا أن الهند سيطرت على غالبية الولاية الأميرية بما فيها وادي كشمير وجامو ولاداخ، وسميت المنطقة الباكستانية (الجزء الباكستاني من كشمير)، بينما الجزء الهندي عرف باسم (جامو وكشمير)، وتم تعيين الحدود الجديدة لكشمير في المادة 370 من الدستور الهندي، وكنوع من التسليم لانتفاضة الكشميريين ضد الحكم الهندي، أعفت الهند كشمير من باقي مواد الدستور الهندي، ليكون للإقليم دستوره الخاص، وتم التفاوض على وضع خاص إضافي في اتفاق دلهي، الذي تم تحويله إلى قانون بموجب أمر رئاسي عام 1954، وهو الأمر الذي ألغاه الرئيس كوفيند، وعلى الرغم من هذه المعاملة التفضيلية، فإن الهند تدخلت في سياسات الإقليم منذ اليوم الأول لتطبيق هذه القوانين، حيث إن مراجعات المادة 370 كانت تعني تطبيقها عبر جمعية تأسيسية في كشمير، إلا أن هذه الجمعية تم حلها منذ عام 1957، تاركة الإطار الأساسي للقانون غير محسوم.
وظل الإقليم ساحة لعدد من الصراعات والحروب بين الهند وباكستان والصين، حيث حاولت الدول الثلاث السيطرة على أرض كشمير لأنفسهم، وأحد أسباب هذا الصراع هو الطمع في المياه، حيث تم تقسيم نهر السند بين الهند وباكستان، ومن بين نتائج التدخل الهندي في كشمير، ظهور حركات مسلحة، ومثل باقي الولايات الهندية، فإن هناك عددًا من الأعراق والديانات، فالهندوس يشكلون غالبية سكان جامو، بينما يقطن المسلمون في كشمير، والبوذيون والتبتيون في لاداخ، وأثرت المشاعر المعادية للمسلمين من قبل الأصوليين الهندوس خلال العقود الماضية على حياة الكشميريين، وبالتالي ظهرت الميلشيات المسلحة مثل (حزب المجاهدين)، الذي يطلب بفصل المسلمين عن باقي الديانات، وكذلك جماعة (جيش محمد) الذي يطلب بضم كشمير إلى باكستان المسلمة، وخلال عقدي الثمانينات والتسعينات، وقعت عدة مناوشات بين الجيش الهندي والمسلحين في كشمير، وتم تهجير كل من المسلمين والهندوس، لكنها الحركات المسلحة اختفت في أواخر التسعينات، وكانت تعاود الظهور من وقت لآخر خلال الألفية الثانية، ومن بين العمليات الإرهابية الكبيرة التي نفذها هؤلاء المسلحين، إطلاق نار أمام البرلمان الهندي عام 2001، وهجمات مومباي عام 2008.
وعلى الرغم من أن الهند وباكستان واصلتا محاولة المصالحة، فإن لحظات التوتر الشديد وإطلاق النار المتبادل بين قوات البلدين على الحدود (خط السيطرة) عادة ما كان يقود الطرفان إلى إفشال الجهود الدبلوماسية، ويرى بعض المراقبين أن التعامل السيئ مع قضية كشمير تاريخيا غير حزبي؛ فالكثير مما حدث كان على يد رؤساء وزراء حزب المؤتمر الحاكم في أوقات سابقة، وأن تشديد حكومة مودي تجاه الإقليم يعود في جزء منها إلى الثقافة القومية الهندوسية، وبالرغم من ذلك، فإن هناك بعض الأصوات بين السياسيين الهنود البارزين، ومن بينهم البرلماني أرون جايتلي تحاول الدفع باتجاه (الاندماج القومي)، الذي سيساعد شعب جامو وكشمير كما أنه يمثل تصحيحًا للأخطاء التاريخية تجاه الكشميريين، إلا أنه خلال العامين الماضيين، وقعت سلسلة أحداث مهدت لقرار إلغاء الحكم الذاتي، مثل: قيام (جيش محمد) بتفجير انتحاري في كشمير، وهو ما جعل الهند تنتقم، في تصعيد خطير بين نيودلهي وإسلام آباد حيث شنت هجمات داخل الأراضي الباكستانية، كما أنه خلال الانتخابات الهندية، قامت حكومة مودي بحشد عسكري في كشمير، كما أن وضع الإقليم كان من بين النقاط المهمة على قائمة (مانيسفتو) حزب (بهاراتيا جاناتا)، على الرغم من أن المحكمة العليا الهندية في 2018 أعلنت أن وضع المادة 370 من الدستور دائم.
واستغل مرسوم الرئيس الهندي ثغرة في المادة تقول: «إنه يمكن تعديلها بقرار رئاسي، وإنه يجب موافقة الجمعية التشريعية (غير الموجودة) في جامو وكشمير»، وهذا يقود إلى إشكالية قانونية، لكن بما أن رئيس الوزراء الهندي مسيطر على القضاء، فمن غير الواضح إذا ما كانت المحكمة العليا الهندية ستقف ضد القرار، ويرى البعض أن القرار الذي وصفوه بالمتهور كان على أجندة الائتلاف الديمقراطي الوطني الذي شكل الحكومة مؤخرًا، لكن التوقيت كان مفاجئا. الوضع في الهند الآن يشبه برميل بارود على وشك الانفجار؛ فهي قد لا تستطيع السيطرة على الوضع في كشمير خصوصا بعد إلغاء (خط السيطرة).