أزمة كشمير وضرورة الحوار

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

يعد النزاع في كشمير من النزاعات الإقليمية بين الهند وباكستان بعد التقسيم الذي حدث بعد الانسحاب البريطاني من شبه القارة الهندية عام 1947 وظهور دولتي الهند وباكستان، وقد نتج عن هذه الأزمة عدد من الحروب في أعوام 1947 و1965 وتدعي كل من الدولتين السيطرة على هذه المنطقة، وهناك احتقان سياسي وعسكري بين البلدين في فترات متعددة، كاد أن يؤدي إلى حرب كارثية على اعتبار أن البلدين يمتلكان سلاحًا نوويًّا، وهنا تكمن الخطورة، وعلى ضوء الأزمة الأخيرة التي اتخذتها الهند بإنهاء بندي الدستور الهندي حول الحكم الذاتي لكشمير احتجت باكستان وسحبت سفيرها من نيودلهي وأيضا طلبت من السفير الهندي في باكستان مغادرة الأراضي الباكستانية.

وعلى ضوء هذا التصعيد الدبلوماسي بدأت الأصوات ترتفع حول إيجاد آليات سلمية تدفع بالحوار إلى واجهة الأحداث، بعيدًا عن التصعيد والمواجهة العسكرية التي سوف تكون لها نتائج كارثية على مقدرات البلدين الجارين وشعوبهما، والتي تحتاج إلى مزيد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ظل الكلفة الكبيرة نتيجة عدد السكان الكبير للبلدين، ومن هنا يبقي الحوار هو أساس الحل من خلال مرجعية الأمم المتحدة وقراراتها المختلفة حول كشمير.

الحوار هو الحل:

تعد أزمة كشمير من جملة أخطاء الاستعمار البريطاني في شبه القارة الهندية؛ حيث لم يحسم تبعية هذه المنطقة إلى إحدى الدولتين عام 1947، ومن خلال خيار سكانها كان سوف ينهي الأزمة منذ عقود وهذا ينطبق على حالات مشابهة، فيما يخص الحدود بين العربية والأفريقية والآسيوية، ومن هنا تعمقت الأزمة مع مرور السنين وتدعي كل دولة أحقيتها بهذه المنطقة، كما أن الأمم المتحدة فشلت في إيجاد حل سلمي رغم عدد من القرارات التي تتحدث إجمالا عن ضرورة الابتعاد عن التوتر والصراع وإبعاد القوات العسكرية للبلدين من مسرح العمليات في جامو وكشمير.
والأمم المتحدة دعت أن يقرر شعب كشمير مصيره من خلال استفتاء ومن خلال الإرادة السياسية لكل من الهند وباكستان، وأن توافق الحكومتان على الهدنة مع إجراء مشاورات متواصلة للوصول إلى حل توفيقي يضمن حقوق أهل كشمير، ويقرر مصيرهم من خلال خيارهم، وحتى هذا المقترح لم ينجح وتوالت الاتهامات بين البلدين
ويسود الهدوء وتتحسن العلاقات بين البلدين من خلال الانفتاح التجاري وتسيير قطار الصداقة، وتارة تتدهور العلاقات كما يحدث الآن، وفي تصوري أن أزمة كشمير قد تؤدي في إحدى مراحلها الملتهبة إلى مواجهة عسكرية كارثية بينهما إذا استمر الخط التصاعدي للتوتر الحالي خاصة أن منطقة جامو وكشمير متوترة، وهناك إشكالات قبلية على جانبي الحدود وعمليات تطال اتهاماتها المجموعات المسلحة في تلك المنطقة.
وعلى ضوء ذلك؛ فإن إرسال الأزمة من قبل باكستان إلى مجلس الأمن ومحاول الحل عبر الدبلوماسية لن يحل هذه الأزمة المتجذرة التي يعود تاريخها إلى سبعة عقود، ومن هنا فإن أمام البلدين خيارات محدودة للوصول إلى حل توفيقي وأهم تلك الخيارات هو الحوار المباشر الذي تطرح من خلاله كل الإشكاليات، ويكون هناك تنازلات متبادلة وأن يكون لأصحاب المنطقة الخيار سواء من خلال الحكم الذاتي أو الانضمام إلى أحد البلدين أو الاستفتاء أو أي صيغة محددة تتفق عليها الهند وباكستان من خلال الحوار.

اتجاه الأزمة:

أزمة كشمير رغم أنها هادئة في كثير من السنوات؛ فإنها تعد من الأزمات الخطيرة التي يمكن أن تفجر الوضع في المنطقة وهناك تماس حدودي مع دول كبرى كالصين وهناك الحرب الأهلية في أفغانستان، وهناك توتر في منطقة الخليج وهي ليست بعيدة عن سواحل البلدين، وهذا الامتداد الجغرافي يشكل خطورة على اندلاع أي صراع عسكري خاصة أن البلدين -كما تمت الإشارة- يمتلكان السلاح النووي المدمر.
اتجاه الأزمة حاليا سلبي ويكتنفه الغموض والتوتر بين البلدين، وليس هناك مصلحة لهما في التدخل الإقليمي بل إن حوارهما المباشر هو الأفضل وهو الآلية الوحيدة لتجنب أي صدام مسلح محتمل، وليس هناك آلية أخرى إيجابية سوى الحوار المباشر خاصة أن أزمة كشمير من الأزمات المعقدة والحساسة التي تسبب إشكالات دبلوماسية وإعلامية.
فالحديث عن أزمة كشمير لا ينطلق من الوقوف مع هذا الطرف أو ذلك ولا ينبغي أن يحدث ذلك، ولكن من المهم حل هذه الأزمة من خلال حل توفيقي والحرص على علاقات البلدين الجارين اللذين يجمعهما التاريخ المشترك والمصالح المشتركة والجغرافيا والكثير من السمات الاجتماعية والثقافية المشتركة، ولهم إمكانات طبيعية وبشرية كبيرة يمكن أن تحدث التكامل الاقتصادي بينهما. صحيح في العرف السياسي ليس هناك عواطف والكل يبحث عن مصلحته، ومع ذلك فإن الأخطار لا بد أن تعالج بحكمة وكما تمت الإشارة فلكل بلد حججه ومنطقه السياسي، ومن هنا فإن الحوار على الطاولة سوف يشجع الطرفين على الإفصاح عن ممكنات الحل والابتعاد عن الصراع خاصة أن الهدنة تم اختراقها لمرات عديدة ومن خلال الاتهامات المتبادلة.
الاتهامات المتبادلة والتراشق الإعلامي لن يحل المشكلة وسوف يزيد الأمور تعقيدا، ومن هنا فإن الحكمة تقتضي من نيودلهي وإسلام آباد أن يجلسا إلى طاولة الحوار، خاصة أن أزمة كشمير قد تتسبب بحرب خطيرة بين البلدين وسوف يكون ذلك خسارة فادحة للبلدين وعواقبها وخيمة على مستقبل السلام والاستقرار في المنطقة.
إذن، مسار الأزمة سلبا أو إيجابا سوف يحدده طرفا الأزمة من خلال سلوكهما السياسي، ولن تستطيع الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن ولا الصين عمل الكثير؛ لأن الحل التوفيقي والأخير هو بيد كل من الهند وباكستان حيث يدركان الأوضاع وما قد يحدث، وهنا تتجلى أهمية العنصر الإيجابي في هذه الأزمة من خلال استشعار الخطر على الشعوب ومستقبلها وعلى السياسيين أن يكونوا أكثر حكمة خلال الأزمات الصعبة.
الأمم المتحدة لم تعد المنظمة التي تستطيع حل الأزمات الإقليمية التي لا يزال عدد منها مشتعلا، ولعل نموذج الحرب في اليمن وسوريا وليبيا شاهدة على عجز الأمم المتحدة، حتى الأزمة السودانية تدخل فيها بشكل إيجابي الاتحاد الأفريقي وأثيوبيا.
الأزمة الخطيرة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية انتهت على الأقل من حيث التوتر من خلال طاولة حوار بين الرئيس الأمريكي ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونج وبصرف النظر عن الاختلاف الجوهري بين الأزمتين، إلا أن مسالة الحوار تبقى هي الأساس في أي صراع جغرافي أو حول خطورة السلاح النووي كما في الحالة الكورية الشمالية، وعلى ضوء ذلك فالدعوة هنا للبلدين لانطلاق حوار هندي- باكستاني لمناقشة أزمة كشمير ويكون هناك مصارحة وطرح واقعي بين البلدين للوصول في نهاية المطاف إلى حل توفيقي ينهي الأزمة من خلال آليات يتم التوافق بشأنها حماية لمصالح البلدين ومستقبل شعوبهما، وبدون تلك الآلية وهي آلية الحوار سوف تتجه الأزمة الآن أو مستقبلا إلى مصير مجهول لا يستطيع أحد توقع مساره أو الأخطار التي قد تتسبب بها أزمة كشمير.