كشمير بعد القرار الهندي إلى أين؟

إميل أمين –

هل باتت شبه القارة الهندية على موعد مع أزمة كبرى قد تتحول من السياقات الدبلوماسية إلى المواجهات الحربية العسكرية لا سيما بعد القرار الهندي الأخير الذي ألغت فيه الاستقلال الدستوري لإقليم جامو وكشمير في شمال البلاد؟
لطالما كانت تلك المنطقة محل نزاع بين باكستان والهند، وحتى الساعة قدر للطرفين أن يتجنبا تصعيدا عسكريا يمكن أن يقود إلى حرب تصل إلى مواجهة ومجابهة نووية بين بلدين لديهما الكثير من تلك الأسلحة.

على أنه ربما ينبغي تذكير القارئ بأبعاد الإشكالية، فولاية جامو وكشمير هي الكيان الإداري للجزء الذي تسيطر عليه الهند من منطقة كشمير، فيما تسيطر باكستان على ثلث هذا الإقليم الواقع في جبال الهيمالايا، وبحسب إحصاء عام 2011 يبلغ عدد سكان جامو وكشمير 12.5 مليون نسمة وهي المنطقة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة في الهند.
باختصار غير مخل يمكننا القول إن الإقليم ذا الأغلبية الإسلامية ومنذ عام 1989 يطالب بالانفصال الكامل عن الهند، ويسعى الانفصاليون إلى هذا الهدف بكل الوسائل بما فيها المواجهة المسلحة الأمر الذي أدى إلى سقوط نحو سبعين ألف قتيل حتى الساعة، مع اتهامات متواصلة من الهند لباكستان بأنها السبب الرئيس وراء دعم مثل هؤلاء المتمردين.
هل يجيء القرار الهندي الأخير بتأثير الشعوبيات الهندية المتصاعدة في السنوات الأخيرة داخل الهند؟
نحن نعلم أن هناك مدا أصوليا هندوسيا وبوذيا يتصاعد إلى أعلى عليين في الأعوام الأخيرة، وأن هذا التيار من أسوأ ملامحه ومعالمه كراهية الآخر، وعدم قبوله، وليس سرا أنه كذلك لديه عداء شديد لمن يخالفه من اتباع الأديان الأخرى، ومن هنا تتأتى المخاوف من تحول المشهد من مجرد مواجهات أيديولوجية إلى صراعات دوجمائية، وفي هذا الشان تكون الكارثة وليس الحادثة.
ما هي الإشكالية القانونية حتى نفهم ما يجري هناك بصورة أكثر وضوحا؟
من وجهة النظر التاريخية فإن الوضع الخاص بجامو وكشمير إنما كان منطلقه الحفاظ على حقوق سكانها، وهو موروث من الشروط التي وضعتها إمارة كشمير للقبول بالانضمام إلى الهند عند استقلالها عام 1947.
وتاريخيا أيضا وبحسب المادة 370 من الدستور الهندي، فإن سكان جامو وكشمير يتمتعون بهامش مناورة واسع في إدارة شؤون ولايتهم، وهذا هو المرسوم الذي ألغته الهند، وبات السؤال الخفي والمعلن في الوقت ذاته والذي لا يدارى أو يوارى: «هل جاء القرار الأخير من قبل حكومة رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي» ذات الملامح والمعالم الهندوسية القومية في طريق تغيير التركيبة الديموجرافية للإقليم، بمعنى اختزال عدد السكان المسلمين إلى أقل قدر ممكن، وفي الوقت ذاته إتاحة الفرصة لمواطني الهند من البوذيين والهندوس للحلول مكانهم؟
الشاهد أنه لا يمكن الإشارة إلى القرار الأخير من دون التوقف أمام ما جرى في الانتخابات الهندية الأخيرة، فقد تعهد الحزب الحاكم «بهاراتيا جاناتا»، بقيادة رئيس الوزراء مودي، خلال حملته الانتخابية بإلغاء هذا القانون بعد الانتخابات التي جرت في مايو الماضي، معتبرا ذلك عقبة في وجه تنفيذ مشروعات الحكومة.
القرار الجديد الذي قسم الشطر الهندي من إقليم كشمير إلى إقليمين: لدخا وكشمير، أثار امتعاض بعض السياسيين، حتى إن الهند تدرك مدى تأثير القرار على شعب كشمير، وعلى علاقات الاقليم مع باكستان، ولهذا اتخذت خطوات استباقية في الإقليم وعلى الحدود مع باكستان، وفرضت القوات الهندية في كشمير حظرا على عقد أي نوع من الاجتماعات وقطعت خطوط الخليوي والإنترنت، معلنة عن إقفال المدارس والمعاهد والجامعات، كما أمرت جميع السياح البالغ عددهم ألف سائح بترك المنطقة، بذريعة وجود مخاوف من قيام المسلحين باستهداف بعض الأضرحة المشهورة في الإقليم وباستهداف أماكن سياحية…
هل هذه مقدمة يمكن أن تقود إلى صراع مسلح لطالما حذر الجميع منه في العقدين الأخيرين، حرب طاحنة ضروس بين الهند وباكستان، يمكنها أن تكون وبالا في واقع الحال على الجانبين؟
الثابت وكما كان يقول دوما الرئيس الفرنسي الأشهر «شارل ديجول» إنه لا يمكن قراءة التاريخ بعيدا عن الجغرافيا وخرائطها، والناظر لإقليم كشمير يرى أنه مقسم حاليا بين ثلاث دول: الهند وباكستان والصين، وتسيطر الهند على الجزء الأكبر منه، الذي يعرف حتى الآن باسم ولاية جامو وكشمير، في حين تتمتع باكستان بسلطة قضائية على منطقتين تسميان غلغت بالتستان وآزاد كشمير. أما الصين فهي تسيطر على منطقة تدعى آكساي تشين في الجهة الشرقية، رغم أن الهند تطالب بهذه المنطقة أيضا منذ فترة طويلة.
هل كان هذا التداخل والتشابك ما بين دول كبرى وكلها ذات تسليح عال ومخيف من التقليدي إلى النووي، وجغرافيا منقسمة، وأعراق وأديان متباينة السبب الرئيس في هذا الصراع؟
يمكن بالفعل أن يكون ذلك كذلك، وقد كانت تلك العوامل فعلا وقولا سببا في اندلاع عدة حروب بين الهند وباكستان، ومنذ عام 1972 أصبح خط السيطرة الذي يبلغ طوله قرابة 740 بمثابة حدود غير رسمية بين هذه البلدان في هذه المنطقة، وعلى الرغم من أن وقف إطلاق النار ساري المفعول منذ عام 2003، إلا أنه مع ذلك استمرت الاشتباكات على طول هذه الحدود وقتل 86 مدنيا جراء إطلاق النار الحدودي عام 2018 وحده.
كما أنه من المعروف أن حدة التوترات تصاعدت في فبراير الماضي عندما أسفر هجوم إرهابي عنيف عن مقتل 38 من ضباط الشرطة في الجزء الخاضع للسيطرة الهندية في كشمير، وتبادلت القوتان اللتان تمتلكان الأسلحة النووية الضربات الجوية لأول مرة منذ عام 1971.
كيف ستتصرف باكستان بعد القرار الهندي الأخير وأيهما سيكون له الغلبة: رجاحة العقل وإدراك أن الحوار والمفاوضات هي السبل الأنفع والأرفع لحل الخلافات، أم اللجوء إلى العنف المسلح الذي يمكن أن يقود المنطقة برمتها إلى مزيد من الفقر والبؤس وهلاك الأرواح؟
في تصريحات لها عقب تفاعل الأزمة قالت سفيرة باكستان في الأمم المتحدة «مليحة لودي»: إن باكستان دولة عظمى يصل سكانها إلى 210 ملايين نسمة وعليه فإنه لا يعقل أن تكون من غير رؤية استراتيجية لمواجهة الأزمة الأخيرة مع الهند، وإن أشارت إلى أنه لا يمكنها الإفصاح عنها في الوقت الحاضر.
بدأت باكستان طريقها الدبلوماسي عبر الأمم المتحدة ومن خلال السبل الشرعية، فقد تسلم الأمين العام رسالة من وزير خارجية باكستان شاه محمود قريشي، يسأله فيها مطالبة الهند وقف أي إجراء من شأنه إدخال أي تغيير ميداني على الوضع الحالي في مقاطعة كشمير، ما يشكل انتهاكا لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة.
إلا أن الغريب في المشهد الأممي هو موقف الأمين العام من قرار الهند، فقد رفض «ستيفان دوغاريك» المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة نفي أو تأكيد استلام الرسالة، قائلا: إن موقف الأمين العام الآن هو متابعة التطورات والطلب من كافة الأطراف المعنية أقصى درجات ضبط النفس.
يعن لنا أيضا أن نتساءل كيف نظر العالم الخارجي إلى القرار الهندي الأخير والنتائج التي يمكن أن تسفر عنه؟
ربما كانت مجلة الفورين بوليسي الأمريكية أفضل من قدم الجواب عن مثل هذا السؤال فقد أشارت في تقرير لها أعقب القرار بأن هناك تطورين حديثين ربما يكونان قد دفعا الحكومة الهندية للتحرك الآن:
أولهما عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوسط في نزاع كشمير، والثاني التقدم السريع لعملية السلام في أفغانستان التي سهلتها إسلام آباد إلى حد ما، ويمكن أن تؤدي إلى تسوية سياسية نهائية تعطي حركة طالبان دورا بارزا في الحكومة.
والمؤكد أن كلا من هذين التطورين يعزز من يد باكستان، ومن ثم فإن اتخاذ خطوة مهمة بشأن كشمير يسمح لنيودلهي بالرد على إسلام آباد، ويبعث أيضا رسالة قوية إلى واشنطن حول عدم اهتمام نيودلهي بالوساطة الخارجية.
لكن الفورين بوليسي كذلك ترى أن إلغاء المادة 370 محفوف بالمخاطر، لأن الهند تعمل من جانب واحد على تغيير الوضع الإقليمي لأرض متنازع عليها إلى حد كبير، ويعد كل ميل مربع منها من أكثر المناطق عسكرة في العالم.
وبالنسبة للعديد من الكشميريين، كان للمادة 370 معنى رمزيا أكبر من أن يكون عمليا، بالنظر إلى الوجود الطويل الأمد والقمعي لقوات الأمن الهندية – بحسب المجلة – الذي أضعف مفهوم الحكم الذاتي، كما أن الكثيرين من الكشميريين يواجهون قيودا يومية على حرية التعبير والحركة، إلى جانب الخطر المستمر المتمثل في المعاملة القاسية من أفراد الأمن الهندي.
تعبر الفورين بوليسي عن وجهة نظر الجانب الأمريكي فماذا عن الجانب الأوروبي؟
ربما أوروبا بنوع خاص تنبهت إلى ما يتقاطع مع واقع حالها المعاصر، أي صعود القوميات بشكل مرعب ومخيف، وهذا ما لفتت إليه النظر صحيفة اللوموند الفرنسية التي اعتبرت أنه منذ استلام مودي السلطة تصاعد التوتر في كشمير ليتصاعد معه موقف بعض الكشميريين المسلمين، ولا تبدو أيديولوجيا حزب بهاراتيا جاناتا مواتية للمصالحة المجتمعية، إذ يحكم باسم التفوق العرقي والديني الهندوسي، ويضع نفسه المدافع العظيم عن وحدة الهندوس في مواجهة أصحاب الأفكار المغايرة.
ويدخل تمييع خصوصيات كشمير-الإقليم الوحيد ذي الأغلبية المسلمة في الهند- وإذابته في عموم الهند في برنامج هذا الحزب، وعليه فإن المجتمع الدولي مدعو لأن يكون متيقظا حيال اليمين القومي الهندي الذي لا يقل خطورة عن الحركات اليمينية المتطرفة في الغرب.
ما الذي يتبقى الإشارة إليه قبل الانصراف؟
بالقطع الخيار المزعج للجميع، أي المواجهة العسكرية، فهل هذا الأمر وارد أم أنه غير موجود على مائدة الخيارات الباكستانية بنوع خاص؟
الجيش الباكستاني يقول إنه «سيذهب إلى أي حد وسيبذل قصارى جهده لدعم الناس في منطقة كشمير المتنازع عليها».. هذا هو تصريح قائد الجيش الباكستاني «الجنرال قمر جاويد»، والذي أضاف: «إننا مستعدون للذهاب إلى أي مكان يتطلبه تنفيذ التزاماتنا في هذا الصدد من دون إعطاء تفصيلات.. هل هي الحرب؟ يأمل المرء أن يكون السلام عبر المفاوضات والحوار هو البديل.