هل تلجأ باكستان للحرب..أم تكتفي بالوساطة؟

ياسمين أسامة فرج –

بالتهديد والوعيد وصيحات الغضب استقبلت باكستان قرار الهند المفاجئ بإلغاء الحكم الذاتي للشطر الهندي من إقليم كشمير ذي الأغلبية المسلمة، وخرج رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان عن تحفظه ليتهم الهند علانية بالترويج للفكر العنصري بل ومحاولة السعي لتنفيذ عملية إبادة عرقية ضد سكان كشمير المسلمين لتنفيذ أجندة «عنصرية» لرئيس الوزراء الهندي الهندوسي ناريندرا مودي، وذلك في الوقت الذي أشهر فيه الجيش الباكستاني سلاحه مؤكدا أنه سيذهب لأبعد حد لتنفيذ التزامه بدعم الكشميريين في نضالهم.

ووقف عمران خان أمام برلمان بلاده وملامح وجهه يعلوها غضب بالغ قائلا «إنه بعد محاولات عديدة للتقارب، خلص إلى نتيجة أن رئيس الوزراء الهندي وحكومته يتعاملون مع مساعي باكستان للسلام على أنها ضعف»، مؤكدا أن قرار مودي لم يأتمن فراغا ولكنه يهدف إلى وضع الهندوس فوق جميع الأديان، مرجحا أن الهند ستمارس بعد قرارها مزيدا من القمع على سكان كشمير بل وربما تبدأ في عملية تطهير عرقي بالإقليم للتخلص من سكانه المحليين.
إن السيادة على كشمير محل صراع تاريخي بين الهند وباكستان منذ أكثر من ٧٠ عاما عندما تم تقسيم كشمير إلى شطرين أحدهما خاضع للإدارة الهندية والآخر للسيادة الباكستانية. وخاض جيشا البلدين، المسلحين نوويا، ثلاثة حروب فعلية في أعوام ١٩٤٧ و١٩٦٥ و١٩٩٩ فضلا عن المناوشات الحدودية بين كل حين وآخر، في صراع دموي أسفر عن مقتل نحو ٧٠ ألف قتيل. معظم سكان الشطر الهندي لكشمير لا يحبذون البقاء تحت إدارة الهند، بل يفضلون الاستقلال أو الانضمام إلى باكستان خاصة وأن المسلمين يشكلون أغلبية السكان في هذا الجزء الخاضع للإدارة الهندية. ويعيش الكشميريون في علاقات مضطربة مع الهند وتغرق منطقتهم في تمرد مسلح ضد الحكم الهندي منذ عام ١٩٨٩، فضلا عن معاناة سكان الإقليم من سوء الأحوال الاقتصادية وانتهاكات لحقوق الإنسان ترتكبها ضدهم السلطات الهندية بشكل مستمر.
وتلقي الهند دائما باللائمة على باكستان في تغذية القلاقل في الولاية من خلال دعمها للحركات الانفصالية والجماعات الإرهابية التي تستهدف السلطات الهندية داخل كشمير وداخل الهند نفسها، وهو الأمر الذي تنفيه باكستان باستمرار.
ومن بين هذه الجماعات جماعة «جيش محمد» التي تتخذ من باكستان مقرا لها والتي كانت سببا رئيسيا في تأجيج الصراع بين البلدين في الشهور الأخيرة بسبب العديد من التفجيرات الإرهابية التي نفذتها الجماعة داخل الجزء الهندي من كشمير كان آخرها التفجير الذي وقع في ١٤ فبراير الماضي وأسفر عن مقتل ٤٦ جنديا هنديا، ليصبح هذا الهجوم الأكثر دموية ضد القوات الهندية في المنطقة منذ عام ١٩٨٩، ويتفجر على إثره صراع مسلح بين الهند وباكستان استمر نحو أسبوع اندلعت خلاله معارك جوية وتبادل لإطلاق النار بالأسلحة الخفيفة وقذائف الهاون على طول الحدود الفاصلة بين الشطرين الهندي والباكستاني لكشمير. وتسعى جماعة جيش محمد إلى ضم كشمير إلى باكستان وذلك منذ تأسيسها على يد رجل الدين مسعود أزهر بعد أن أطلقت الهند سراحه من السجن عام ١٩٩٩. وكان أزهر واحداً من ثلاثة رجال أطلقت الهند سراحهم مقابل إطلاق سراح طاقم وركاب طائرة هندية اختطفت في أفغانستان التي كانت تحت سيطرة حركة طالبان في ذلك الوقت. وذكرت تقارير أن أزهر التقى بزعيم طالبان السابق الملا عمر وزعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن. ورغم اتهام الهند لباكستان بأنها توفر الملاذ لتلك الجماعة فإن جيش محمد سبق وأن استهدف أهدافا تابعة للجيش الباكستاني بل وحاول اغتيال الرئيس الباكستاني السابق برفيز مشرف عام ٢٠٠٣، فضلا عن أن الجماعة محظورة رسميا في باكستان.
إن دفاع باكستان المستميت وموقفها المتشدد إزاء دعم الكشميريين في التمسك بحقهم في الحكم الذاتي، يرجع لعدة أسباب لعل أبرزها هو أن باكستان تخشى احتمال تدفق أعداد كبيرة من الهندوس إلى كشمير الهندية مما يؤدي إلى تغير التركيبة السكانية للمنطقة وبالتالي ترجيح الكفة الجيوسياسية هناك لصالح الهند. والحقيقة أن كون كشمير هي المنطقة الوحيدة ذات الغالبية المسلمة في الهند، هو واقع يزعج القوميين الهندوس وقد سعوا لعدة سنوات لتغييره. ومع فوز حزب «بهاراتيا جاناتا» الهندوسي الحاكم بزعامة مودي في الانتخابات التي أجريت أبريل الماضي، أصبحت أصوات القوميين الهندوس أعلى وزادت المخاوف بشأن تشجيع الجماعات القومية الهندوسية للمواطنين الهندوس إلى الهجرة بأعداد كبيرة إلى كشمير.
ورغم تصاعد المخاوف من احتمالات أن يؤدي القرار الهندي الأخير إلى اندلاع حرب كاملة بين الهند وباكستان، فإن بعض المحللين يرجحون أن باكستان، رغم امتلاكها سلاحا نوويا، لن تستطيع الصمود وحدها أمام الهند إذا دخلت الدولتان في مواجهة عسكرية مباشرة. وأوضحوا أن إسلام آباد ليس أمامها في صراعها الحالي غير اللجوء إلى الطرق الدبلوماسية من خلال الدفع بوسطاء دوليين لممارسة أقصى الضغوط على الهند. هذا بالفعل ما بدأ رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان في فعله وكانت أول مساعيه في ذلك الإطار هو طلبه وساطة الولايات المتحدة خلال لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشهر الماضي في واشنطن وهو الأمر الذي رحب به ترامب وأبدى استعداده له. فأمريكا من جانبها، تعتبر أن التعاون مع باكستان ضروري في سبيل التوصل لاتفاق ينهي الحرب المستمرة في أفغانستان من خلال توسط إسلام آباد في محادثات السلام بين واشنطن وحركة طالبان وضمان ألا تكون باكستان قاعدة لجماعات إرهابية مثل تنظيم داعش في المستقبل.
ومن هنا ترغب الولايات المتحدة وباكستان في إبرام اتفاق ينص ضمنيا على مساعدة باكستان لأمريكا في إنهاء الحرب في أفغانستان، مقابل تدخل أمريكا للضغط على الهند بشأن كشمير. وأمام هذا التعاون الباكستاني الأمريكي، ترفض الهند بشدة التدخلات الخارجية في المسألة معلنة رفضها التام لمقترح الرئيس الأمريكي بالتوسط ومؤكدة أن أي مشاورات بشأن كشمير، إذا كانت مطلوبة، ستجري مع باكستان وحدها وعلى أساس ثنائي فقط. ولم يكتف خان بالولايات المتحدة فقط ولكنه أيضا تواصل مع عدة دول أخرى حليفة أبرزها الصين وتركيا والسعودية لبحث كيفية التصدي للقرار الهندي. كما أكد خان أن بلاده ستلجأ إلى مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية للطعن في قرار نيودلهي وتصعيد القضية إلى مختلف المنصات الدولية.
وتدور أيضا تساؤلات بشأن مستقبل الشطر الباكستاني لكشمير والذي يتمتع هو الآخر بحكم ذاتي لكنه يخضع للسيطرة الباكستانية. فهل تلجأ باكستان هي الأخرى إلى إلغاء الوضع الخاص الذي يتمتع به الشطر الباكستاني لكشمير؟
السيناريو الأكثر تشاؤما يرجح أن تلجأ إسلام آباد إلى سياسة الرد بالمثل وتتخذ الإجراء نفسه فيما يتعلق بالجزء الباكستاني لكشمير، وهو ما ينذر بقوة إلى تصعيد غير مسبوق وتصاعد في أعمال العنف على الحدود التي ستعود حدودا واضحة فاصلة بين دولتي الهند وباكستان مما يزيد من فرص اندلاع مواجهات واشتباكات أعنف وربما تنتهي إلى مواجهة شاملة بين البلدين وبالتالي زعزعة استقرار منطقة جنوب آسيا بالكامل. إن الرد الباكستاني حتى الآن يقتصر على التهديدات والضغوط الدبلوماسية والدولية ولكن الوضع الحالي أشبه بقنبلة موقوتة ربما تنفجر في أي وقت.