امرأة واحدة تكفي

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

تصادف كتابة هذه المقال نهاية العشر الأواخر من ذي الحجة، ولا يتسع المكان هنا لذكر مزايا وقدسية هذه الأيام المباركة، ولكن وجدتها كأنثى تعيش في فترة هي الأفضل في تاريخ البشرية مرت على النساء، خاصة في هذا البلد وخلال هذه الفترة بالذات من عمر النهضة، أذكر نفسي وبنات جنسي بأن امرأة واحدة، مستضعفة، في صحراء قاحلة، لا سند ولا موارد، ولا واسطة ولا دعم، ولا شيء على الإطلاق، استطاعت وحدها أن تسن سنة امتثلت لها أمة إسماعيل حتى يوم يبعثون، وجعلتهم من أقاصي الكوكب هذا يحجون سنويا، يكررون ذات التحركات إيابا وذهابا كما كررتها هي بين صفا ومروة، بدون أن يتوقف الواحد منهم لوهلة ويسأل نفسه لما أنا أفعل ما أفعل.
بقرار استراتيجي واحد سمحت لبعض عابري الطريق أن يتزودوا بالماء، أسست أمة، وهي التي وجدت نفسها وقد تخلى عنها من المفترض أن يكون حاميها، ورب بيتها، وسندها، ألقى بها في صحراء قاحلة لا يوجد فيها أثر للحياة، لم تتمسك به، لم تعاتبه، ولم تحدث نفسها بـ(ظل راجل ولا ظل حيطة) على حد تعبير المثل الشعبي الجميل، لم تجادله بعدما عرفت بأن أمرا سماويا جاءه طالبا منه أن يفعل ما فعل، وعندما عاد إليها بعد أن استقر بها الحال ورأت الأمرين من أجل تربية وحيدها، جاء ليقول لها: سأذبح ابنك الوحيد الذي تخليت أنا عنه، وعانيتِ الأمرّين من أجل تربيته، لم تجادل هذه المرة أيضا، عندما عرفت أنه أمر سماوي، ونتيجة قرارها هذا، سُنّت سنة أخرى هي (الأضحية) سارت عليها البشرية حتى يوم الدين.
جسدت لنا قصة السيدة هاجر، قوة إرادة الحياة، وعدم اليأس وعدم الاعتراف بالمستحيل، وهي تكرر الخطوات ذاتها عدة مرات، موقنة بأن الله لن يخذلها وطفلها، فكان جزاء الكريم المنان، ماءً لا ينقطع لأهل ملة إبراهيم، وبيتا تؤمه العباد إلى يوم يبعثون، وذكرًا لا ينقطع مدى الحياة.
سلاح وحيد كان عند أمنا هاجر، اليقين، فأين نحن من هذا اليقين، نسلم مصائرنا للآخرين طائعين، ونتخلى عن حقوقنا مستسلمين، ونستسلم لليأس من الوهلة الأولى لظهور ما صورنا لأنفسنا بأنه عقبة، في حين أن هذه العقبة قد لا تكون أكثر من إشارة لتغيير المسار.