بصـراحــة..

آن بنت سعيد الكندية  –
Twitter: @AnnAlkindi –

اخترت عنوان مقالتي من العمود الصحفي لكبير الصحافة العربية وأحد أعمدة الصحافة العالمية الغني عن التعريف الملقب «بالأستاذ» محمد حسنين هيكل -رحمه الله- الذي بدأه في جريدة الأهرام عام 1957 تحت عنوان بصراحة لأتحدث عن الإعلام وبالتحديد المشهد الإعلامي الصباحي. لا أظن أن البداية الصحيحة ليوم منتج تبدأ بسماع الجراح ومداواته والأشواق وأغاني الحب المبتذلة البعيدة عن المعنى الحقيقي للمشاعر الإنسانية الراقية فليس وقتها أبدا الصباح الباكر حين يتجه الناس إلى أعمالهم والطلبة إلى علمهم مدارس وجامعات وكليات. ليس المشهد بهذا السوء بكل تأكيد فقد نسمع أحيانا بعض الفيروزيات وقليلا ممن غنى أبيات الشعر، فلا أدري من يصنع مستوى الذوق العام، هل هي ثقافة العصر أم أن للإعلام دورا؟!. ويستمر المشهد أيضا بأحاديث الحكم الصباحية قال أرسطو وقال أفلاطون، ومقتطفات من هنا وهناك مما يشبه الوعظ والإرشاد في الإذاعة المدرسية في القرن الماضي. ليعذرني مقدمو الإذاعات الصباحية -وإن كانوا عينة من المشهد الإعلامي ككل- إن كنت غليظة شديدة فأنا هنا أنشد تغييرا جوهريا في التناول الإعلامي لتعميق معارف الرأي العام.
أحلم بقراءة معمقة لما تكتبه صحفنا في شتى المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية فهذا يخلق حراكا ثقافيا بين الكُتاب أنفسهم وبينهم والقراء ويرفع من مستوى النقاش العام. أحلم بنقاش عن قضايا العالم كالبيئة وآثار الاحتباس الحراري ومستجدات الثورة الصناعية الرابعة. أحلم بسماع النشرة الجوية وأخبار ازدحام الطرق بابتكار وبعفوية مع رفع الثقافة المرورية لدينا. أحلم بانتقاءات أدبية جميلة تلقى على طلاب المدارس بفقرات متنوعة تستهدف أكثر من نصف مليون طالب –مدرسي- يشقون طريقهم كل صباح نحو العلم والمعرفة. أحلم بنشرة من إعداد طلبة الإعلام بشيء من التغير والتجديد وإشراك لجيل الإعلاميين ممن هم على مقاعد الدراسة استكشافا لمواهبهم وصقلها. أحلم بقراءة للصحف العربية والعالمية، ليس بالضرورة تحليل عميق لكن تغطية ما يدور في إعلام العالم ليعرف المسؤول ما يدور في العالم وهو ذاهب إلى عمله. أحلم بتشويق جميل على نهاية الأسبوع باستعراض أماكن السياحة والتخييم وأبرز العروض الفندقية للمواطن والمقيم. أحلم بتكاملية المشهد الإعلامي ما بين أجهزة الإعلام المتنوعة والمتعددة برسالة واضحة المغازي والمعاني. أنشد التجديد الفكري قبل الحديث عن مراحل متقدمة كالابتكار والإبداع فهذه كلمات ضاعت معانيها لكل عمل اعتيادي يبرز بين ركام التكرار.
إن لم تُوقظ الأمم نفسها بالمعرفة والحوار الفكري الجميل ورقي أساليب الطرح، يصبح التقليد الأعمى منفذا لها وتهدد معالم هويتها التاريخية بمرور الزمن، فما هو دور الإعلام؟ لا أتحدث اليوم عن سقف الحريات الصحفية -فذلك موضوع آخر- بل العمق المعرفي مما يجعلني أتساءل عن كيفية رفع الوعي والثقافة لدى الشعوب. أتحدث عن رفع المعنويات وصناعة الأمل عن صياغة جديدة للرأي العام وعن معالجة للقضايا بعيدا عن العواطف والشائعات. ألا ترون معي أن المشهد الصباحي من البيت إلى الدوام بحاجة إلى إنعاش ولمسات جديدة؟!.
أحمد الله أن لدينا قناة مخصصة للموسيقى الكلاسيكية فهي المنقذ أحيانا، وأحمده على قنوات المونت كارلو والبي بي سي لأستمع بشغف لجمال البرامج وعفوية التقديم. لم أنسَ أننا لا نحب المقارنة فهنا أتعمد ذكر القنوات العالمية لنتعلم منها وربما يوما نتفوق عليها. هناك محاولات إذاعية صباحية تحاول أن تتفرد في التقديم ولكننا بحاجة إلى المزيد، بحاجة إلى غربلة فكرية وإبراز لما يمتلكه الإنسان العماني من مخزون فكري وثقافي، فلم الابتعاد؟!.
صارحتكم بما في قلبي وفكري وليس النقد هجوما حتى يقابله هجوم مضاد بل دعوة للتفكر ونقد للذات وبحث عن الأسباب، فكيف يستطيع الإعلام تقديم النقد إن لم يقبل النقد؟!. أحب أصواتا تسعى أن تكون لها بصمتها الإذاعية وأتمنى لها مستوى لا يقل عن العالمية. ابحثوا عن ما يريده المستمع وماذا إذا كان الرأي العام راضيا عن التقديم وكيف أن التكنولوجيا تبتدع كل يوم ما يصرف انتباههم لما تقولون. آن أوان الانتقال إلى مرحلة صنع الخبر لا نقله إذا ما صارحتم الجهات على تقصيرها في إعطاء المعلومة في توقيتها المناسب، فليس الإعلام ملاما في تقصيره أو لصياغته مشهدا بعيدا عن الواقع إن كان لا يعلم الحقيقة. آن أوان الطرح الفكري والوعي الثقافي، فليس هناك أخطر من رأي عام تقوده العاطفة، ويعمد الآخرون إلى استغلاله. ليكن لدينا إعلام يعول عليه وقت الأزمات يكون له صوته المسموع بين تعدد القنوات والمنصات. بالمناسبة وعند الختام كان أول مقال «للأستاذ» في الأهرام عن عُمان، فلنكن حاضرين في الساحة، فنحن بعيدون عن عوز الماضي.