نبش في الذاكرة وتقليب لألبومات الماضي.. كـيـف بدا العـيـد فـي وجـوه العمانيين فـي السـبعيـنـات

«عمان»: العيد مساحة كبيرة للفرح والسعادة. وللفرح منابع تتفجر في العيد، ليس أولها التجمعات العائلية وصلة الأرحام، وليس آخرها التصافي بين الناس واستغلال مساحة العيد للقفز فوق كل الخلافات الطارئة وبناء مساحات حب جديدة تقف فوق صلابة العلاقات الإنسانية.
لكنّ العيد أيضا مساحة لاستعادة تفاصيل الذاكرة الإنسانية. فالناس يعودون لذاكرتهم كثيرا في مناسبات الأعياد، يتذكرون كيف كان زمانهم وكيف كان مكانهم، وكيف كان المكان والزمان يتفاعلان لصناعة فرح إنساني. والعيد مساحة لاستذكار الأحباب الذين رحلوا أو الذين انقطعت خطوط التماس معهم لأسباب كثيرة.
ورغم اختلاف المسميات إلا أن الأرشيف مؤسسي كان أم شخصي، ملموس كان أم من الذاكرة الإنسانية هو أحد أهم ما يملك الإنسان. هو مرآة صادقة للأحداث وللتغيرات التي يشهدها الفرد ويشهدها المجتمع وتشهدها المرحلة الإنسانية.
وفي الصور المصاحبة لهذا الموضوع حكايات كثيرة جدا لا يسع المكان لسردها، ولا الزمان للامساك بكل تفاصيلها.
تشير الصور التي استخرجناها من أرشيف جريدة عمان إلى سبعينات القرن الماضي، وإلى العيد في ولاية إبراء. أما شخوص الصور/‏ أبطال الحكايات فهم يتحدثون عن أنفسهم بشكل مجرد وفق ما يقول الفن التجريدي. فأرشيف الجريدة لا يحتفظ بتفاصيل عنهم، ولا عن أعمارهم ولا عن تطلعاتهم نحو المستقبل. حتى اسم المصور الذي وثق بعدسته الصور غير موجود. كل ما يمكن أن يقرأ في هذه الصور السبعينية هو ما تبوح به الصور نفسها، وملامح أصحابها وتلك التجاعيد البادية على وجوه بعضهم أو الشباب الضاج بالحيوية في وجوه الآخرين.. ولكن في جميع الأحوال هي توثيق لمرحلة كان العيد فيها جميلا رغم بساطة الأدوات ورغم متاعب الحياة. العيد جميلا لأن الناس يبحثون عن العيد في الأعماق لا في التفاصيل الظاهرة والمتكلفة في بعض الأحيان.
تحكي الصور أن الناس كانوا يخلصون للفكرة لا لمظهرها فقط، فالرجل الذي يواري اللهب في حفرة التنور تنم صورته عن بأس وقوة رغم خطور ما يعمل ورغم أنه يعرض نفسه لخطر الاحتراق بالنار.. ولكن من يقول أنه لم يكن يجيد ترويض النار وتحويلها إلى برد وسلام!
الأطفال في الصور يزهون بملابسهم ورغم طفولتهم المبكرة إلا أن ملامح الرجولة بادية عليهم بشكل جلي، فهم يرتدون الخناجر والمحازم حالهم حال الرجال الكبار. إن ملامحهم تقول أنهم يحلمون بالمستقبل، ولكن مستقبل يصنعونه بأنفسهم لا تصنعه الصدف. والفتيات الصغيرات اللاتي يرتدين الحلل الفضية يبدو وكأنهن قادمات من عمق حكايات ألف ليلة وليلة ومن عمق الفرح الأنثوي الذي ما أن يحل في مكان حتى تنتثر الأفراح في كل مكان. «زج» الدهان الذي يعلوا حواجبهن يزيد في جمالهن ولكن في الوقت نفسه يعطيهن الكثير من الوقار رغم الطفولة.
إنها صور تفتح ذاكرة مرحلة بأكملها، بل ذاكرة جيل كامل عاش كل هذه التفاصيل واستمتع بكل معطياتها. ورغم عدم معرفتنا من رحل ومن ما زال على قيد الحياة في كل هذه الصور إلا أن المؤكد أن الجميع ساهم في صناعة صورة العيد بالشكل الذي نعيشه اليوم عند مستوى من مستوياته.. تحية لتلك الذاكرة ولتلك الابتسامة ولكل الطقوس التي مارسها الآباء والأجداد من أجل أن يصيغوا وثيقة المرحلة ويخطوا بنا نحو مراحل أخرى استمرارا للحياة ولتطورها وتراكم خبرات البشر فيها.