دراسة عمانية تكشف أسرار بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية والمعادن الثقيلة

انتشرت في مستشفيات عدة حول العالم وتسبّبت في إغلاق عدد من الأقسام –
كتبت – مُزنة الفهدية:-

كشفت دراسة مختبرية عمانية أن ميكروب «الاسنتوبكتر بوماني» الذي انتشر في مستشفيات عدة حول العالم، وتسبب في إغلاق أقسام في عدد من المستشفيات هو ميكروب مقاوم للمضادات الحيوية والمعادن الثقيلة بنسبة عالية.
وتعد هذه الدراسة الأولى في السلطنة التي تسلط الضوء على دور العناصر الجينية المتنقلة في بكتريا «الأسنتوبكتر بوماني» في انتشار مقاومة البكتريا للمضادات الحيوية والمنظفات والعناصر الثقيلة، التي تستخدم بشكل مستمر وبجرعات عالية في بيئة المستشفيات، وعلى الرغم من أهمية استخدام هذه المركّبات بهدف العلاج والتعقيم؛ فإنها تضع العاملين في هذا الجانب أمام تحد أكبر، إذ إنها تدفع البكتيريا للتطور باكتساب عناصر جينية تمكنها من البقاء والعيش.
ولأهمية هذه الدراسات العلمية موّل مجلس البحث العلمي دراسة بحثية للدكتورة زعيمة بن جمعة الجابرية، حيث حصلت الدراسة على جائزة أفضل بحث علمي منشور للباحثين من حملة شهادة الدكتوراه أو ما يعادلها في قطاع الصحة وخدمة المجتمع في الجائزة الوطنية للبحث العلمي لعام ٢٠١٨م، جاء ذلك حسب ما ذكر في نشرة إضاءات علمية العدد 23، وهي نشرة فصلية يصدرها مجلس البحث العلمي.

الأطفال وكبار السن والمرضى أكثر عرضة لـ «أضرار الميكروب» –

فكرة المشروع:

وقالت الباحثة الرئيسية زعيمة الجابرية: «إن فكرة المشروع البحثي تقوم على تحليل دور جين أنزيم الاندماج في انفصال عناصر جينية متنقلة وحاملة لجينات مقاومة لبكتيريا «الاسنتوبكتر بوماني» للمضادات الحيوية والمعادن الثقيلة، حيث يعتبر هذا الميكروب من الميكروبات الخارقة والانتهازية، وهو ميكروب مقاوم للعديد من المضادات الحيوية»، مؤكدة أن مع انتشاره بشكل كبير أصبح يشكل خطرا من ناحية العلاج في المستشفيات؛ بسبب امتلاكه آليات متفردة في التصدي للعلاج بالمضادات الحيوية.
وانتشر هذا الميكروب في بداية 2010 في العديد من مستشفيات العالم بما فيها السلطنة، وتم على إثره إغلاق الكثير من الأقسام في المستشفيات، وكان السؤال ما سبب انتشار «الاسنتوبكتر بوماني» بهذه الكثافة؟ فكان لا بد من تسليط الضوء عليه ودراسته بشكل مكثف.

هدف المشروع:

وأوضحت الجابرية أن الهدف الرئيسي من الدراسة هو معرفة وفهم آليات مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية؛ حيث من المعلوم أن آليات المقاومة لدى البكتيريا للمضادات الحيوية تنقسم إلى قسمين: آليات تأتي بالفطرة، وآليات مكتسبة، أما الآليات الفطرية فهي آليات متشابهة لدى جميع البكتيريا مثل عدم قدرة المضادات الحيوية على اختراق الجدار الخلوي، ولكن توجد آليات تكتسبها البكتيريا عبر السنوات من خلال الطفرات الجينية أو اكتساب عناصر جينية، وفي دراستنا تم التركيز على العنصر الثاني «اكتساب عناصر جينية» ومدى قدرة هذه العناصر الجينية على الانتقال.
وأشارت الجابرية إلى أن الفريق البحثي قام بوضع آليات لدراسة الجينات، مثل فرضية ما الجين المسؤول عن الانتقال ومن خلال «الاطلاع على دراسات سابقة» اتضح أن أنزيم الاندماج هو المسؤول في بعض أنواع البكتيريا عن هذه العملية.
أما الآلية الثانية فهي عمل مخطط الدراسة، حيث تم تقسيمها إلى قسمين: الأول هو عملية التحليل عن طريق قاعدة البيانات بعد جمع ما يقارب (100) جين يقوم بوظيفة انفصال العملية الجينية، والآلية الثانية هي عمل شجرة النشوء والتطور، حيث ارتكزت الدراسة على البحث عن جينات مشابهة ومدى قدرتها على الانتقال، والآليات الأخيرة هي دراسة الجين في المختبر.

خطوات الدراسة:

وعمل الفريق البحثي على عدة خطوات؛ أولها: عملية جمع العينات من خلال فحص جميع المرضى والتأكد من وجود البكتيريا وتجميع (100) عينة، وفي الخطوة الثانية: عمل مسح كامل للعينات واستخلاص العينات التي ستدخل في الدراسة «وهي العينات التي تحوي بعض العناصر الجينية»، وفي الخطوة الثالثة: تم نقلها إلى المختبر ودراسة مدى مقاومتها للمضادات الحيوية والمعادن الثقيلة وبعض المعقمات والمنظفات.
وحول أضرار الميكروب أشارت الباحثة إلى تفاوت أضرار هذا الميكروب؛ فالأطفال وكبار السن والمرضى هم أكثر عرضة له، أما الفئة الأخرى فهي فئة ذوي المناعة القليلة من أصحاب الأمراض المزمنة والمنومين في المستشفيات بشكل مستمر، كما أن أدوات العناية المركزة تعد مصدرًا من مصادر العدوى لهذه البكتيريا، مثل أجهزة التنفس وأجهزة القسطرة والأدوات الجراحية والأنابيب مثل أنابيب البول أو المغذي.
ويسبب هذا الميكروب انتشار أمراض معدية خطيرة مثل الالتهابات الرئوية الحادة، والتهابات الجروح بعد العمليات الجراحية، والتهابات الدم، والتهابات السحايا والعظام وغيرها الكثير، ويكمن التحدي في علاج هذه العدوى؛ إذ أصبحت هذه البكتيريا متعددة المقاومة للعديد من المضادات الحيوية مما يجعلنا أمام خيارات محدودة وضيقة جدا للعلاج.

مقاومة البكتيريا للمعادن:

وأكدت الدكتورة زعيمة الجابرية أن هذه البكتيريا مقاومة للمعادن وأهمها «النحاس»، ولأهمية وجود معدن النحاس للجسم حتى للبكتيريا تمت دراسة هذه المقاومة وأكدت الدراسة وجود مقاومة كبيرة لهذه البكتيريا اتجاه النحاس حيث يتعرض جسم الإنسان للكثير من معدن النحاس من خلال الغذاء والماء والأسمدة والمبيدات الحشرية جعلت هذه البكتيريا تقاومه، بالإضافة إلى معادن أخرى مثل الرصاص والزئبق والحديد والفضة والكادميوم وغيرها.
وأضافت الباحثة: «تسهم هذه الدراسة في معرفة مدى انتقال هذه البكتيريا، وبالتالي يتوجب الحذر من الطاقم الطبي في طريقة التعامل مع المريض المصاب، بالإضافة إلى الحذر مع الأدوات؛ كون هذه البكتيريا مقاومة للمعادن وبالتالي يجب تقنين صرف المضادات الحيوية، ويعد من الضروري قياس نسبة مقاومة البكتيريا للعديد من المعادن الثقيلة في مصادر الماء والغذاء المختلفة حتى نكون على دراية أكبر عن مصادر المعادن الثقيلة التي جعلت البكتيريا تطور من آليات المقاومة لديها».
يذكر أن هذا البحث تم تنفيذه كبحث مشترك مع جامعة ليستر في بريطانيا، ويضم الفريق البحثي كلا من الدكتورة زعيمة الجابرية كباحث رئيسي من جامعة السلطان قابوس، بالإضافة إلى مجموعة من الباحثين وهم: روكسانا زيموديو ووايفا هورفاثباب وجوزيف رالف وزكريا المحرمي وكومار راجاكومار وماركو أوجيوني، وتحدثت الجابرية عن الآفاق المستقبلية للمشروع البحثي؛ حيث إنه يمكن انتقال هذه الدراسة إلى مرحلة أخرى مثل دراسة عينات أكثر أو جينات وبكتيريا أخرى التي تسبب التهابات مختلفة في المستشفيات باستخدام تسلسل الجينوم الكامل. وأضافت: «توجد حاليا دراسات مشتركة مع جامعة ميلان بإيطاليا، وجامعة ليستر في بريطانيا لتطوير بعض المضادات الحيوية التي ما تزال في المراحل الأولية، كما تم نشر خمسة أبحاث علمية للنتائج التي توصلنا إليها من خلال هذه الدراسات حتى الآن».