تركيا.. تصنع العود العربي لفنانين عرب وتحتفظ بالتراثي منها

ترسل أعوادًا إلى دول عربية والعالم –
اسطنبول – (الأناضول): 23 نوعًا من الأعواد العربية والتركية يصنعها كبير المعلمين في صناعة العود التركي، جنغيز صاري كوش (70 عامًا)، على مدار 59 عامًا.
أعواد عربية وتركية متقنة ومتنوعة الأحجام والقياس والنغمات، ما جعل مشاهير من العازفين العرب على العود، بينهم العراقي نصير شمة، يطلبون أعوادًا عربية يصنعها كوش، لتُعزف النغمات العربية بأعواد صنعتها أنامل تركية.
فوق ورشته الأساسية، وهي واحدة من ورش عديدة يمتلكها ويصنع فيها الأعواد، جمع كوش أعوادًا تاريخية في معرض صغير، وأقدمها يعود إلى عام 1826، بجانب أعواد عربية وتركية لعائلات معروفة.
ويسعى كوش إلى توثيق تاريخي لقصص تلك الأعواد، خاصة أن العود عامل مشترك بين ثقافات الشرق من الأرمن والسريان والعرب والترك وغيرهم.

بدأت طفلًا:

قصة كوش مع العود رواها للأناضول بقوله: «بدأت بالعمل صدفة عندما كان عمري 11 عامًا، كنت أحب الآلات وخاصة البزق… كان يوجد حرفي بجانب دكاننا قال لي: إنه مستعد لتعليمي إن رغبت. وبدأت في ولاية ملاطية (وسط)».
وأضاف: «عملت في كل صيف لمدة ست سنوات، وبعد دخولي كلية الآداب في إسطنبول، انتقلت إلى المدينة، وذهبت لإصلاح البزق عند المعلم آغوب أوهانيان؛ فعرفته وعملت عنده لفترة، وبعدها انتقلت إلى معلم عود آخر… كنت أدرس وأعمل لمدة أربع سنوات ونصف».
وتابع: «بعد التخرج فتحت ورشتي الأولى وكنت أصنع خمسة أعواد شهريًا، وبعد الثمانينات زاد الطلب كثيرًا في تركيا، وأصبحت أعوادي مشهورة، صنعت أعوادًا خاصة، وبدأت أصبح مشهورًا، وتأتيني عروض من أوروبا وأمريكا والعالم العربي».

أنواع متعددة:

حول سنوات خبرته وتطور صناعة الأعواد قال كوش: «بدأت في الـ11 من عمري، والآن أنا في السبعين، لي 59 عامًا من الخبرة في هذا العمل… في تلك الفترة كانت الأدوات بسيطة، كانت هناك آلتان فقط والباقي صناعة يدوية».
وزاد بقوله: «حاليًا الآلات عديدة وكبيرة وصغيرة، وبات العمل أسهل، كنت مثلًا أصنع بمفردي خمسة أعواد شهريًا، وبوجود الآلات حاليًا يمكن صناعة من 10 إلى 15 عودًا، لكن بالنهاية هي صناعة يدوية، ونود الكسب عبر الفن فقط».
وبشأن أنواع العود التي ينتجها، أجاب: «تتم حاليًا صناعة 23 عودًا مختلفًا، في الأعواد التركية توجد خيارات أكثر، فأقدم عود معروف في العالم حاليًا هو عود تركي يعود إلى 1826، وصنعه المعلم أرمناك للقصر العثماني».
وتابع: «هناك عائلات تعيش بالخارج تطلب أعوادًا تعود لموديلات في فترات منها الخمسينات والستينات، ويوجد أكثر من 30 نوعًا في تركيا، لكن على مستوى العالم نعمل على 23 نوعًا».
وأردف: «أهم الأعواد العربية هي أعواد عائلة النحات الماردينية الأصل، التي سكنت دمشق، كانوا أربعة إخوة، عرفوا باسم الإخوة نحات».
وأردف: «بعد دمشق هناك حبيب جورج في حلب، وفي لبنان يوجد المصنعون الأرمن، كلهم صنعوا أنواعًا مختلفة، وفي العراق توجد أنواع متنوعة، منها موديل محمد فاضل، والثاني هو العود العراقي، إضافة إلى أنواع العود المصري».

تواصل مع العرب:

بخصوص بداية اتصاله بالفنانين العرب والسوق العربية، قال كوش: «في 1985 تعرفنا إلى العرب، كان يوجد انفتاح تركي في عهد الرئيس الرئيس الراحل تورغوت أوزال (1989: 1993)، وبدأ العرب يزورون إسطنبول، خاصة مع وجود فنادق كبيرة… وكنا وقتها ننتج الأعواد التركية فقط».
وتابع: «مع التواصل المستمر مع العرب بدأنا ننتج أعوادًا عربية ونطورها منذ 2001، ومع إنتاج الأعواد العراقية، وزيارة الفنانين العرب؛ حيث طلبوا نماذج مختلفة فطورناها بعد أبحاث عديدة، وأرسلناها إلى العالم العربي».
وعن أبرز الفنانين العرب الذين التقاهم، قال كوش: «كانت البداية مع الفنان العراقي سلام عبد الكريم، وبعد حكم (الرئيس العراقي الراحل) صدام حسين (1979: 2003) استقر في قطر، وتعاون معنا وطلب ثلاثة أعواد مختلفة له و45 عودًا لطلبته، على نظام أعواد البشير».
وتابع: «في 2010 كان هناك مهرجان للعود في إسطنبول وجاء كل الفنانين والمشاهير العرب لتركيا، ومنهم نصير شمة، الذي صنعنا له عودًا، واشترى أعوادًا تراثية قديمة، وهو شخص محترم جدًا، وبعدها جاء علي حسن من العراق، وصنعنا له أعوادًا وكذلك لطلبته».
وأضاف: «نرسل أعوادنا حاليًا إلى دول عربية منها البحرين، سلطنة عمان، وقطر، كل من جاء إلينا واصل التعاون في شراء الأعواد، لدينا طلبات من العرب والأتراك وكثير من دول العالم».
متحف صغير:

عن متحفه قال كوش: «جمعت فيه قرابة 120 آلة موسيقية قديمة، ما تبقى منها حاليًا هو 80 فقط، وبدأت جمعها حتى لا تخرج من تركيا». وأضاف: «بعدها جاءت عائلات وسألت عن أعواد تعود إلى أجدادها، وأقدم أعوادنا يعود إلى 1826، وحصلنا عليه من مدينة بورصة (شمال غرب)»، وتابع: «اشترينا أعوادًا من عائلات عثمانية أو عبر مزادات وأماكن بيع تحف، بعضها كان قد تعرض للتلف فأصلحناه، وكانت توجد أعواد عربية وبيع أكثرها، ولدينا عود من صناعة حبيب جورج من حلب عام 1903». وأوضح أن «شراء تلك الأعواد وجمعها وحمايتها مكلف، وحتى الآن عندما نجد عودًا قديمًا لا نرغب بتركه، نصلحه ونستغله، وكل عود له حكاية وأصحابها معروفون».
وتابع: «ما زلنا نتواصل مع أبرز الفنانين العرب، ومنهم نصير شمة؛ فهو يأتي إلينا كلما زار إسطنبول، وكذلك من العراق يتواصل معنا علي حسن وأخيه صلاح حسن، كما يأتي إلينا فنانون فلسطينيون»، وختم بقوله: «تلك الزيارات ليست للتجارة فقط، هم أناس مجيدون وصلوا إلى مستوى متقدم، وهم مدركون لفنهم، وهو ما لفت نظري إليهم، والعرب يحبون فنهم ومرتبطون بالعود».