خطبة الوداع أرست مبادئ عظيمة من أصول تعامل المسلمين مع بعضهم ومع الآخرين

أكدت حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم –
الخطبة حرمت التعدي على النساء ورسمت ملامح علاقة الرجل بزوجته وأبطلت الكثير من أفعال الجاهلية –

(عمان): تضمنت خطبة الوداع الكثير من المبادئ التي لا غنى عنها للمسلم قديما وحديثا، بل واشتملت على ما يمكن أن يُسمى النظام الأساسي لأصول التعامل بين المسلمين، ووضع المبادئ الواضحة للشريعة الإسلامية بين الناس بكل وضوح، بل كان التوقيت الزماني والمكاني لهذه الخطبة في غاية الأهمية فقد كانت في البلد الحرام، وفي الشهر الحرام، وبحضور عدد كبير من الناس قد لا يتأتى حضوره في مناسبة أخرى، فكانت تلك الوصايا الثمينة مما يحسن بالمسلمين أفرادا أو جماعات أن يقفوا معها، وقد أرست لمبادئ عظيمة من أصول التعامل مع الآخرين وحدود علاقة المسلم بأخيه، وما يباح له في ذلك، وأبطلت الكثير من أفعال الجاهلية القبيحة.. ونحو ذلك من الوصايا ويأتي في الذروة العليا من هذه الوصايا التأكيد على حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.. ذلك ما أوضحه د. صالح بن سعيد بن هلال الحوسني – مدير دائرة الحج بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية.. حيث قال: بعث الله عبده ونبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا يرسم للبشرية مسارها، ويبين لهم الطريق القويم الواضح الذي فيه السعادة في الدنيا والعقبى؛ قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، وهكذا كانت حياة النبي الخاتم عملا دؤوبا متواصلا لتبليغ هذه الرسالة وتوضيحها للعالمين، ولذا لم يكن نبينا الكريم يترك محفلا أو مجلسا، أو طريقة يوصل من خلالها رسالته إلا وسارع إليها؛ وذلك لوضوح الحجة ووصل المحجة (ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة)، وهكذا حتى غادر النبي الخاتم هذه الفانية ولحق بالرفيق الأعلى.
ومن تلكم الوصايا الخالدة التي رسم بها نبي الأمة مسارا واضح المعالم لتعامل المسلم مع إخوانه ومن حوله من الناس ما كان من توجيهات عظيمة في خطبة حجة الوداع في العام العاشر من البعثة النبوية، وهي خطبته يوم عرفة لجميع من حج معه في ذلك العام، وقد غلب عليها تسمية حجة الوداع لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها وعلّمهم في خطبته أمر دينهم؛ بل وأوصى الحاضرين بإبلاغ من غاب عنهم ما فيها من وصايا وتوجيهات قيمة.
وخطبة الوداع تضمنت الكثير من المبادئ التي لا غنى عنها للمسلم قديما وحديثا، بل اشتملت على ما يمكن أن يُسمى النظام الأساسي لأصول التعامل بين المسلمين، وتضع المبادئ الواضحة للشريعة الإسلامية بين الناس بكل وضوح ودون أي غبار، بل كان التوقيت الزماني والمكاني لهذه الخطبة في غاية الأهمية فقد كانت في البلد الحرام، وفي الشهر الحرام، وبحضور عدد كبير من الناس قد لا يتأتى حضوره في مناسبة أخرى، فكانت تلك الوصايا الثمينة مما يحسن بالمسلم فردا أو جماعة أن يقفوا معها، وينظروا في حصولها من أنفسهم، وقد أرست لمبادئ عظيمة من أصول التعامل مع الآخرين وحدود علاقة المسلم نحو أخيه، وما يباح له في ذلك، وتطرقت للجانب المالي كذلك فنهت عن الربا الذي هو من أسباب انهيار النظام الاقتصادي للأفراد والشعوب، ومجلبة للأحقاد والأضغان، وبينت كذلك حرمة التعدي على النساء ببخس حقوقهن ورسمت ملامح كبيرة من علاقة الرجل بزوجه، وأبطلت الكثير من أفعال الجاهلية القبيحة.. ونحو ذلك من الوصايا ويأتي في الذروة العليا من هذه الوصايا التأكيد على حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم؛ حيث قال بعد الاستفتاح بحمد الله والثناء عليه: «… أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا..» وهو أمر في غاية الأهمية، فانتماء المسلم للمسلمين يمنع من العدوان على نفسه ودمه وماله وعرضه، «فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، ومهما كانت نفس هذا الإنسان من السوء ما دام قد دخل في حوزة الإسلام فلا يحق لأي فرد كان أو سلطة أن تقدم على سفك دمه، أو سلب ماله، أو المساس من عرضه أو أن يُؤذى بأي شكل من الأشكال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وما وقع للأسف بين المسلمين من التناحر وسفك الدماء والتطاول على بعضهم البعض بحجج واهية أوهى من خيوط العنكبوت هو عدول وإعراض عن الهدي النبوي الحكيم، واتباع لهوى النفس ومسايرة للشيطان الرجيم، فكم قامت بين المسلمين الذي يستظلون بمظلمة الإسلام الواحدة من حروب وغارات ومشاهد مؤلمة ومناظر مقززة سُفك فيها الدم الحرام، وأُكل فيها المال الحرام، واُنتهكت المحارم والأعراض، وكل من الفريقين المتحاربين يدين بدين الإسلام الواحد، وهذا لا شك خارج عن روح هذا الدين.
وأضاف: وكأن النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه يستشرف المستقبل بوحي السماء، ويحذر المسلمين وهو في ذلك المشهد المهيب والمحفل العظيم مع مراعاة الزمان والمكان من هذا الأمر الخطير الذي ذهب بسببه جموع كبيرة من المسلمين لعدم الإنصات لتوجيه النبي صلى الله وسلم، وقد قال في بعض الروايات: «لهدم الكعبة أهون عند الله من سفك دم مسلم»، فما بال المسلمين وقعوا فيما حذرهم منه نبيهم الكريم. وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم شدد على حرمة الدماء والأعراض والأموال حينما قال: «فلا ترجعوا بعدي كفارا يقطع بعضكم رقاب بعض»، ومن هنا فإنه يتوجب على علماء الأمة أن يحملوا هم الوحدة والتقارب بين المسلمين مع كل نفَس من أنفاسهم كما كان من شأن النبي صلى الله عليه وسلم حين أوضح وبين وحذر من التعدي على الآخرين، ويلزم كذلك أن يكون بين علماء الأمة بمختلف طوائفهم ومذاهبهم وأجناسهم من التواصل والتداخل والاحترام المتبادل ما يدفع بالأتباع أن يقتدوا بهم، بجانب حرص العلماء والدعاة والخطباء على بث روح الوحدة والألفة والمحبة بين المسلمين وعدم الاقتراب من الحرمات، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يستلزم على العقلاء وذوي الحصافة في الرأي أن يقوموا بدور كبير في الإصلاح بين المتخاصمين وردم هوة الشقاق والفرقة بينهم لقوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين)، ولا غرابة أن يختم الله قوله هذا بعد ذلك بقوله: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون).

أصول الإيمان

من جانبه أوضح يحيى بن سالم الهاشلي – إمام وخطيب جامع السلطان قابوس بروي أن مسألة وحدة الأمة واتحادها وتآلفها فريضة دينية وضرورة حياتية وليس أدل على لزوم الأمر مما نشاهد من مختلف صور التنازع الواقع بين الدول الإسلامية من قطيعة واقتتال وتمزق وظلم واقع على المسلمين المستضعفين فهم بين مهجرين ومطاردين وقد استبيحت الأنفس والأعراض والأموال. مؤكدا أن تذكير المسلمين بهذا الأصل العظيم من أصول الإيمان هو السبيل لجمع كلمتهم ولم شملهم وأن موسم الحج هو خير مناسبة ينبغي أن تستغل لتحقيق ذلك فهذا الاجتماع للمسلمين من كل أقطار الأرض لا ينبغي أن يترك دون أن يكون فيه سعي لجمع شمل المسلمين وتوحيد كلمتهم.
وقال الهاشلي: لقد كانت خطبة الوداع البيان النبوي الشامل الأخير الموجه للأمة بأسرها، الحاضرة في زمن النبوة والباقية إلى قيام الساعة، وقد اشتملت خطبة الوداع على توجيهات لأهم ما يخص حياة الفرد والأمة في جوانب عديدة كالإيمان والعبادة والمعاملة، فتطرق النبي صلى الله عليه وسلم فيها إلى ذكر حرمة الأنفس والأموال وإبطال ما كان من بقايا الجاهلية من ثأر للدماء وربا في الأموال، كما فصل الوصية بالنساء وما يجب لهن وعليهن من حقوق الزوجية لما في ذلك من حفظ كيان الأسر التي هي أساس بناء المجتمعات والعمود التي تقوم عليه الأمم، وقد ختم النبي صلى الله عليه وسلم خطبته ببيان للأمة عن أمر وحدتها وتآلف أفرادها فقال صلى الله عليه وسلم في ذلك: (أَيهَا النّاسُ، إنّما المُؤمِنُونَ إخْوةٌ، فَلاَ يَحِلُّ لامْرِئ مَالُ أَخيهِ إلاّ عَنْ طيبِ نفْسٍ منهُ، أَلاَ هَلْ بلّغْتُ، اللّهُم اشْهَدْ، فلا تَرْجِعُنّ بَعْدِي كُفارًا يَضرِبُ بَعْضُكُمْ رقابَ بَعْض فَإنّي قَدْ تَركْتُ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذتمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، كِتَابَ اللهِ وَ سُنَّة نَبيّه، أَلاَ هَلْ بلّغتُ، اللّهمّ اشْهَدْ. أيها النّاسُ إن رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وإنّ أَبَاكُمْ واحِدٌ، كُلكُّمْ لآدمَ وآدمُ من تُراب، إن أَكرمُكُمْ عندَ اللهِ أتْقَاكُمْ وليس لعربيّ فَضْلٌ على عجميّ إلاّ بالتّقْوىَ، أَلاَ هَلْ بلَّغْتُ، اللّهُمّ فاشهد» قَالُوا: نَعَمْ قَال: فلْيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائبَ والسلامُ عليكم ورحمة الله).
وأشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بيّن للناس أن العلاقة التي تجمع المؤمنين هي رابطة أخوة الإيمان التي لا تعدلها آصرة من الأواصر الدنيوية وهو الوصف الذي اختاره الله تعالى لهم فقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، ويصف النبي صلى الله عليه وسلم قوة رابطة الإيمان في حديث آخر بقوله: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا)، فهذه العلاقة القوية هي التي تبقي الأمة متماسكة متعاضدة كحال الجسد كما ورد في الحديث: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كمَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)، لذا كان من الضروري حفظ هذه العلاقة من المكدرات، لهذا عرج النبي صلى الله عليه وسلم لذكر ما قد يزعزع تماسك علاقة الأخوة الإيمانية فيضرب مثلا بأخذ المال من غير طيب نفس، ولو توسعنا في مفهوم هذا المثال بأن التكالب على الحظوظ الدنيوية هو سبب رئيس وأول لكل خلاف بل ولكل نزاع واقع بين أفراد الأمة، لذا يعقب النبي صلى الله عليه وسلم بالتحذير من الرجوع لحال الكفران والتقاتل، وقد وسم ذلك بالكفر المناقض للإيمان الذي يؤلف ولا يفرق، وبنظرة في الحوادث التأريخية البعيدة منها والقريبة للنزاعات الواقعة بين المسلمين بل وحتى المشاهدة في حاضرنا نجد أن التنافس الدنيوي هو العامل الحافز لها سواء أكان سياسيا أو اقتصاديا، فيتم إلباسه بلباس طائفي أو مذهبي أو قبلي أو عرقي من أجل أن يستقطب عامة الناس وجماهيرهم لها فتتوسع دائرة النزاع وتقع الفرقة بين إخوة الدين الواحد، وتقع الطامة عندما يصل التنازع إلى حد التقاتل وإزهاق الأرواح وهو عين ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض». وفي شواهد التأريخ والواقع المعيش ما يشهد بذلك.
وأوضح الهاشلي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعقب تحذيره بذكر السبيل لحل النزاعات والوسيلة التي يحتكم إليها في ذلك، من خلال التمسك بعرى الدين متمثلا في الوحيين الكتاب الكريم والسنة المطهرة إذ هما الفيصل في حل أي نزاع والداعيان للوحدة والائتلاف، إذ ما ورد في الوحيين يؤسس لبناء أمة واحدة مترابطة متآلفة، ففي كتاب الله نجد أن الله سبحانه يقرن وحدانيته بوحدة الأمة فيقول: (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، ويقول سبحانه: (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)، كما نجد أن الله يأمر المؤمنين بالاعتصام بالدين وعدم التفرق ويذكرهم بنعمته عليهم بتأليف القلوب وجعلهم إخوانا مذكرا بحالهم قبل ذلك فيقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، ثم يعقب بالنهي عن الفرقة والاختلاف وأنهما مؤذنان بالعذاب فيقول: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، فمن هنا نعلم أن مسألة وحدة الأمة واتحادها وتآلفها فريضة دينية وضرورة حياتية وليس أدل على لزوم الأمر مما نشاهد من مختلف صور التنازع الواقع بين الدول الإسلامية من قطيعة واقتتال وتمزق وظلم واقع على المسلمين المستضعفين فهم بين مهجرين ومطاردين وقد استبيحت الأنفس والأعراض والأموال في فواجع تدمي القلوب.
يكمل النبي صلى الله عليه وسلم خطابه للأمة مذكرا إياهم بجوهر الدين الذي قام عليه أمر توحيدهم ووحدتهم فقال: (أيها النّاسُ إن رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وإنّ أَبَاكُمْ واحِدٌ، كُلكُّمْ لآدمَ وآدمُ من تُراب، إن أَكرمُكُمْ عندَ اللهِ أتْقَاكُمْ وليس لعربيّ فَضْلٌ على عجميّ إلاّ بالتّقْوىَ)، إن جوهر الإسلام الذي قام عليه هو توحيد المعبود ووحدة أصل الخلق فربكم واحد وأباكم واحد وأن التقوى هي معيار التفاضل بينكم لا الجنس ولا العرق ولا اللون، فتحقيق التقوى هو المطلوب من كل فرد في الأمة ولا يحقق الفرد التقوى إن كان في نفسه أثر من عنصرية أو طائفية تمنعه من التقارب مع إخوانه المؤمنين الذين تتحد معهم في عبادة الله وفي أصل الخلقة، إن تذكير المسلمين بهذا الأصل العظيم من أصول الإيمان هو السبيل لجمع كلمتهم ولم شملهم وإن موسم الحج هو خير مناسبة ينبغي أن تستغل لتحقيق ذلك فهذا الاجتماع للمسلمين من كل أقطار الأرض لا ينبغي أن يترك دون أن يكون فيه سعي لجمع شمل المسلمين وتوحيد كلمتهم.
وأوضح أن الله سبحانه وتعالى اختار يوم عرفة بعد أن ألقى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم خطبته ليعلن للناس كمال دينه وتمام نعمته عليهم به ورضا الإسلام منهجا لحياتهم فأنزل: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، فبعد هذا البيان الإلهي ينبغي للمسلمين أن يسعوا للعمل ببلاغ الوداع الختامي للنهوض بالأمة ووحدة صفها، فالله قد كفل لهم بقاء دينهم وكماله وتمامه ويبقى عليهم السعي لتآلفهم واتحادهم ليحققوا كمال إيمانهم وتقواهم (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ).