دراسة تستعرض دور الإدارة المحلية في تطوير التنمية بالسلطنة

أوصت بتطوير صيغ ملائمة لدعم المرافق ماديًّا وفنيًّا –

صلالة – بخيت كيرداس الشحري:-

تناولت دراسة لنيل درجة الدكتوراه (دور الإدارة المحلية في تطوير التنمية بسلطنة عمان) قام بها الباحث الدكتور مسعود بن سالم بن محسن الكثيري، حصل بموجبها على شهادة الدكتوراه مع مرتبة الشرف بدرجة امتياز في جامعة محمد الأول في المملكة المغربية، وقد خلصت الدراسة إلى عدد من النتائج، أهمها: إن هناك تداخلا بين دراسة التنمية المحلية مع دراسات الإدارة العامة والاجتماع، والحكم المحلي والاقتصاد والقانون والتمويل… إلخ، أما عن مفهوم التنمية المحلية فينطبق هذا المفهوم بشكل مباشر على الدول الآخذة في النمو في آسيا وأفريقيا، ورغم الاختلاف وتباين وجهات النظر حول تحديد مفهوم «التنمية المحلية»؛ فإنه يمكن تعريفها بأنها: «السياسات والبرامج التي تتم وفق توجهات عامة؛ لإحداث تغيير مقصود ومرغوب فيه في المجتمعات المحلية بهدف رفع مستوى المعيشة وتحسين الخدمات في تلك المجتمعات بتحسين نظام توزيع الدخول»، وعن العلاقة بين التنمية والإدارة المحلية خلصت الدراسة إلى أن التنمية التي نتصور صلاحيتها هي تلك التي تستجيب لاحتياجات المواطن المحلي وتحقيق متطلباته «الذاتية» ويتمكن معها من تقليل اعتماده على المستويات الأعلى في معيشته وفي تطوير هذه المعيشة؛ لأنه بدون تحقيق عملية يشارك فيها المواطن في تحديد احتياجاته وفي اكتشاف واقعه بإيجابياته وسلبياته والعمل على تدعيم وضعه الاجتماعي والاقتصادي، لا تتحقق التنمية.
كما خلص البحث في نهايته إلى جملة من الأسس للنهوض بواقع الإدارة المحلية أولًا بسلطنة عمان، ومن ثَم بواقع التنمية ببلادنا العربية التي يأتي على رأسها ضرورة وجود التشريعات القانونية التي تحدد هيكلة واختصاصات وصلاحيات الإدارة المحلية وسياسة اجتماعية تشاركية أساسها مبدأ المشاركة التي تتلاءم مع الواقع المحلي وتعبر عن إمكاناته، وإن التنمية يجب أن تعمل في النهاية على بناء مواطن محلي صانع للتنمية وليس مواطنا محليا مُتلقيا للتنمية، وإلا فقدت التنمية مشروعيتها بفقدان موضوعيتها.
وخلصت الدراسة إلى عدد من التوصيات أهمها: إيجاد قانون مدعم لدور المواطن المحلي لمنحه الصلاحيات من خلال المؤسسات المحلية المنتخبة في اختيار وامتلاك وإدارة مشروعات التنمية المحلية وتشجيع الأهالي للاشتراك في المشروعات الاقتصادية وذلك عن طريق المشاركة سواء كانت المشاركة نقدية أو عينية أو جهودًا ذاتية؛ لزيادة ضمان نجاح واستمرارية المشاريع، وتشجيع الأهالي والوحدات المحلية لتنفيذ المشاريع المدرة الدخل وتحويل المواطن من مستهلك إلى مُدَّخر. وتشجيع الأهالي والوحدات المحلية لتنفيذ المشاريع غير النمطية في الزراعة، والصناعة المحلية، ومشاريع التعليم، ومشاريع المقاولات… إلخ، بالإضافة إلى تشجيع الوحدات المحلية في تنفيذ المشاريع التي تساعد في قيام نشاطات جديدة أو تنتج سلعا وسيطة تدخل في مشاريع تكميلية أخرى لإنتاج السلعة النهائية وإيجاد وظائف للمجتمع المحلي، وتشجيع الوحدات المحلية في تنفيذ المشاريع التي توفر الخدمات ومستلزمات الإنتاج اللازمة لتشغيل مشروعات الأهالي (الإنتاج الزراعي مثل تغليف المنتجات الزراعية والألبان ومشتقاتها والسلع الخدماتية الأخرى)، وكما أوصت الدراسة بضرورة التخطيط الجيد للمشاريع مع ربط التخطيط ودراسة الجدوى الاقتصادية بعمليات المتابعة والتقييم وذلك في المراحل المختلفة لعمر المشروع والتوسع في الاستفادة من الخبرات العلمية والعملية التي تسهم في تطوير وتقدم العمل والرفع من الجودة.
وكما أوصت الدراسة بتطوير صيغ ملائمة لدعم المرافق المحلية ماديا وفنيا بما يضمن استمراريتها وتوسعها وتطويرها في استقلالية تامة عن السلطة المركزية، ويمكن تدعيم ذلك بعدة أنشطة علمية هي: دعم المجالس المحلية بتحفيزات مالية وفنية وإدارية كاملة من خلال برامج التدريب المتعددة ورصد الموازنات والمنح التشغيلية لها، ودراسة معوقات وحاجات المجتمع المحلي وتطبيقها على أرضية الواقع، والاهتمام بصيانة مشاريع المرافق المحلية من خلال إيجاد موارد اقتصادية لتشغيل تلك المرافق وصيانتها لضمان استمراريتها، وتطوير نظام للمعلومات يساعد على اتخاذ القرار على كافة المستويات وتحقيق مزيد من دعم اللامركزية من خلال إيجاد قوانين وصيغ متعددة يسهم فيها المواطنون المحليون لتنمية مواردهم المحلية.
وقال الباحث مسعود الكثيري: «تكمن أسباب اختيار البحث في أن الموضوع هو من صميم عملي وكذلك أن السلطنة تطبق الإدارة المحلية في النيابات والولايات والمحافظات كتقسيم إداري، وإلى ما تمثله الإدارة المحلية من إرث حضاري عريق»، ولتكون الدراسة إضافة جديدة تسهم في خدمة المجتمع العماني من خلال استعراض دور الإدارة المحلية من البرزة إلى المراسلات الإلكترونية وما اتخذته من دور فعال في المجتمع، عبر التواصل المباشر مع المجتمع المحلي بعيدا عن الحكومة المركزية، والكشف عن واقع الموارد البشرية؛ لأن العنصر البشري في السلطنة يحظى بالرعاية السامية لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- وتحديد الصعوبات التي تواجه التنمية المحلية في السلطنة ومعرفة المُعوقات التي تَحدُّ من أداء الموارد البشرية بالشكل المطلوب فيها، وأضاف: «إن أهمية هذه الدراسة تنبع من كونها تسلط الضوء على دور الإدارة المحلية في تطوير مراحل التنمية المحلية بالسلطنة، وعلى دورها الفاعل وإسهامها في تقوية البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للدولة، بتكافؤ الفرص على جميع ولايات ومحافظات السلطنة من القوى البشرية بدلا من تمركزها في العاصمة والعمل على ترابط الدعائم التي يقوم عليها هذا البناء لمواجهة الأزمات الداخلية والأخطار التي تتعرض لها الدولة»، كما تتجلى أهمية الدراسة في تحليل مسار إدارة التنمية في السلطنة واستخلاص مؤشرات اتجاهات اللامركزية في التخطيط الإنمائي التنموي، وأهمية الدور الذي يلعبه المجتمع المحلي في التنمية، بالإضافة إلى توعية أفراد المجتمع المحلي بمفهوم الإدارة المحلية وأثرها في التنمية المجتمعية كما هو الحال في أي مجتمع يتنامى اعتماده على الإدارة المحلية ومشاركتها في تطوير التنمية وقدرتها على مواجهة التحديات وإسهامها في تقوية البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للدولة، وذلك من خلال تعرف مراحل تطور التنمية المحلية وإبراز الجوانب المضيئة للإدارة المحلية في التنمية وتعرف الجوانب التي تؤثر على الأداء الوظيفي بمؤسسات الدولة.
وقد سعت الدراسة إلى الإجابة عما هو مسار تنمية الإدارة المحلية؟ وما الاستراتيجية العلمية والعملية التي يمكن اتباعها لتحقيق التنمية المحلية؟ وما أبرز معوقات التنمية المحلية؟ وما الأوضاع والآفاق المستقبلية للإدارة المحلية؟ وفيما تتمثل أدوار ووظائف الإدارة المحلية؟ وما مدى التعاون والتنسيق بين الإدارة المحلية والسلطات المركزية؟ حيث تناولت الدارسة المشاركة الأهلية المتمثلة في انتخاب أعضاء المجلس البلدي المحلي في كل الولايات التي أسهمت في دعم وتطوير المجتمع المحلي وتغيير النسيج الاجتماعي من المطالبة التقليدية إلى المطالبة القانونية والمنظمة؛ سعيًا في إرساء دولة المؤسسات والقانون، ففعالية اللامركزية الإدارية تتيح للإدارة المحلية القيام بمهامها وخدمتها.
وتضمنت خطة البحث بابين خُصص الباب الأول للحديث عن الإدارة المحلية ودورها في تطوير التنمية، وقد تم تقسيم هذا الباب إلى ثلاثة أقسام، هي كالآتي: القسم الأول تناول التنمية المحلية والنظام المحلي، وفي القسم الثاني نظام التنمية المحلية البشرية، وفي الثالث كان عن التنمية الإدارية، أما الباب الثاني فيتحدث عن دور الموارد البشرية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وكيفية تدبيرها، من خلال قسمين: الأول حول دور الموارد البشرية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والقسم الثاني عن كيفية تدبير هذه الموارد البشرية.

جريدة عمان

مجانى
عرض