عطاء الدول

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

عيد الأضحى المبارك رمز العطاء والفداء والرجاء والتسليم الخالص لرب العالمين. هل هناك بهذه المناسبة عطاء وفداء وتضحية على مستوى الدول؟. سؤال صعب لأن العلاقات الدولية محكومة بقواعد للمصالح المتبادلة والنفع والانتفاع أو تفادي الضرر والضرار. الدول في استراتيجياتها وسياساتها وقراراتها اليومية ليست كالفرد في تكوينه الأخلاقي وتصرفاته وإن كان من المفترض أن تلتزم الدولة أو المجتمع الدولي كله بجوهر توجهات الأديان ومنظومات القيم التي تحكم الأفراد والجماعات، والمواثيق الدولية على الورق تؤكد ذلك فعلا، غير أن الواقع والممارسات يختلفان كثيرا جدا أو قليلا. لا أستطيع القول إن زمنا مضى كان أفضل من زمننا هذا من زاوية القدرة على العطاء من الدولة أو الفرد، فتلك نوستالجيا تشيع في كل العصور، وان كنت أرى أن تفشي نهج الأسواق الحرة -بما يشمله ذلك من فرض قواعد العرض والطلب على كل شيء بل وحتى القيم- تركَ أثرا ضخما على السلوك الدولي لا يمكن نكرانه
فداخل الدولة الواحدة هناك تفاوت صارخ في الدخول والثروات والنفوذ وبين الأمم وبعضها هناك أيضا ذلك التفاوت، وقد ضعفت لدى الجميع بهذا الشكل أو ذاك الميول الإنسانية العامة. ولم يكن من قبيل الصدفة أن
آدم سميث، الاقتصادي البريطاني الشهير، ومؤسس علم الاقتصاد الحديث، وصاحب كتاب «ثروة الأمم»، هو نفسه الذي ألف كتاب «نظرية المشاعر الأخلاقية»، لأنه استشعر أن السوق الحر بلا أخلاق يؤدي إلى أسوأ الممارسات مهما كان نوع التشريعات والمؤسسات والقواعد التي تحكم ذلك السوق. إن ذلك يعطينا فكرة عن صعوبة التزام السوق بل والدولة ذاتها التي حررت أسواقها -وكل العالم تقريبا هو كذلك الآن- بالمبدأ الأخلاقي وصعوبة قياس ذلك أو متابعته أو الحساب عليه.
لكن الأمر ليس بهذه السوداوية، ولا يزال هناك دول كثيرة تلتزم بالمبادئ القانونية والمواثيق والأخلاق، حتى لو تعارض ذلك مع مصالحها الاقتصادية والسياسية وقد رأينا كيف صوّت عدد ضخم من الدول كمثال واحد ضد قرار ترامب ضم القدس إلى إسرائيل رغم التهديد والوعيد الأمريكي. وأعرف أن مصر ودول نامية عديدة كالهند والبرازيل وغيرهما تصوّت وعينها بالأصل على مصالح الدول النامية قبل النظر إلى المصلحة المباشرة وقد حدث ذلك ويحدث على نحو خاص في منظمة التجارة العالمية وفي كل من البنك وصندوق النقد الدوليين. وفى المساعدات الخارجية فإن ثمة دولا تفعل ذلك أيضا من منطلق وحيد هو تعزيز السلام ودعم الروابط بين الدول والشعوب دون انتظار أي مكسب خاص ولعل سلطنة عمان ورغم أنها محدودة الموارد هي أبرز مثال دولي على ذلك. كان الدكتور أحمد جويلى الوزير المصري الراحل يقول: إن مصر ترفع اللقمة عن فمها وتقدمها للمحتاج وقت الأزمة حتى ولو كان الطعام لديها قليلاً، والمغزى أن العطاء لا يبرز كقيمة كبيرة بقدر ما يبرز وقت أزمات الآخرين وبقدر ما يكون العطاء مفضلا عن احتياجات أهل البيت (‏الدولة). وحتى داخل الدول التي جعلتها التجارة الحرة مستعبدة لمصالحها بل وعلى استعداد للتدمير وخوض الحروب والمعارك السرية والعلنية دفاعا عن صفقات لها أو مغانم، توجد مجموعات ليست بالقليلة تؤمن بأهمية التعاضد الإنساني وتبذل الكثير للآخرين للتخفيف من محن المجاعات والتشرد وتفشي الأمراض.
ومؤخرا قال مايكل سبينس الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد إن الأسواق هي آليات للاختيار الاجتماعي، حيث تساوي الدولارات الأصوات فعليًا؛ وإن أولئك الذين لديهم المزيد من القوة الشرائية لديهم بالتالي التأثير الأكبر على نتائج السوق. والحكومات هي أيضًا آليات اختيار اجتماعي، لكن قوة التصويت المتساوية شكل، بغض النظر عن الثروة يجب أن تخدم تحقيق المساواة السياسية على أن يقوم دور الدولة بموازنة التصويت «المرجح» المدفوع بالمصالح والمال. ويجب على الحكومات أداء ثلاث وظائف رئيسية على الأقل حيال ذلك الخلل. أولاً: يجب أن يستخدموا التنظيم لتخفيف إخفاقات السوق الناجمة عن العوامل الخارجية أو فجوات المعلومات أو عدم التناسق أو الاحتكارات. ثانياً: يجب عليهم الاستثمار في الأصول الملموسة وغير الملموسة، والتي لا تحقق العائد الخاص ولكن لها فائدة اجتماعية. وثالثا: يجب عليهم مواجهة نتائج التوزيع -للثروة القومية- غير المقبولة.
لكن الحكومات في جميع أنحاء العالم تفشل في الوفاء بهذه المسؤوليات لأسباب ليس أقلها أن القوة الشرائية في بعض الديمقراطيات التمثيلية قد انتهكت السياسة. المثال الأكثر وضوحًا (الولايات المتحدة)، حيث الاعتماد السياسي بقوة على الثروة السابقة أو بالقدرة على جمع التبرعات. وهذا يوجد حافزًا قويًا للسياسيين لمواءمة سياساتهم مع مصالح من لديهم قوة سوقية.
انتهى الاقتباس من كلام رجل نوبل ليبقى السؤال: إذا كانت أيديولوجية السوق تفعل هذا كله على مستوى الدولة بل وفي أكبر الدول كأمريكا مثلما أشار الرجل فمن الذي يمنع انتشار تلك الممارسات على الصعيد الدولي نفسه؟. إن عقيدة السوق ذات طبيعة اجتياحية بطبيعتها وهي لا ترضى بأقل من أن تنتشر في العالم كله وان تتخلل كل أسواق السلع والخدمات بما فيها ما لا يجب أن يكون سلعة بحال مثل التعليم والصحة، بل ولا ترضى أيضا بأقل من أن تتطبع كل العمليات السياسية والانتخابية والتمويلية بطابعها الذي هو «كل شيء بثمنه». وكل شيء قابل للتداول والمبادرة حتى الذمم. إن أهم ما يعنينا هنا هو أن ذلك الطابع يترك كل بلد من البلاد النامية بالذات في هم مقيم فهو يبحث عن مجرد النجاة من طوفان التبادل غير العادل والاختراق اليومي أو حتى اللحظي لكل أو للكثير من قيم النظام التعددي العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن الدول النامية لا تملك من الأوراق أو الأدوات أو القوة الصناعية المتقدمة ما يمكنها من الضغط من أجل عدالة توزيع المنافع على المستوى الثنائي أو الدولي وهى مُلاحقة كل يوم بشروط تعجيزية وبقواعد جائرة أو متحيزة يتم إنتاجها ومحاولة فرضها عليها باستمرار فكيف تجد وسط هذا كله سبيلا إلى عطاء متدفق ومستقر؟. إن أبسط قواعد الإنصاف الدولية وهى القاعدة التي تحدد نسبة من الناتج المحلى يتعين على الدول المتقدمة أن تقدمها كمساعدات للدول النامية يتم اختراقها إما بعدم الوفاء بذلك التعهد الدولي أو الوفاء بالنسبة من حيث الشكل لكن مع فرض شروط متعسفة ومجحفة وغير نزيهة على الدول التي تتلقى المنح أو المساعدات بحيث لا تتركها تلك المنح إلا وهي أضعف مناعيا أي (اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا) عما كانت عليه من قبل. أعود وأكرر إن العطاء طبيعة قبل أي شيء ومهما استأسدت الأسواق فلن يخضع الخيرون لغير طبيعتهم وكل عام وأنتم بخير.