نوافذ: هل الأسباب .. مبررات؟

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

من أسهل السلوكيات القولية والفعلية، التي نمارسها مع أنفسنا، ومع الآخرين من حولنا، هو سلوك إبداء المبررات، وهذا السلوك ينضم تحت قائمتنا الثقافية، ففي كل اشتغالاتنا نذهب أكثر ما نذهب إلى إبداء المبررات؛ سواء: في فشلنا بأمر ما، أو تكاسلنا عن أمر ما، أو إقدامنا لأمر ما، أو ارتكابنا للأخطاء في أمر ما، إلى غيرها من السلوكيات التي نتوقع أن الآخرين سوف يحاسبوننا، أو يعاتبوننا، أو يلوموننا، أو يحملوننا مسؤولية ما، ونتكئ على هذه المبررات لنعزز وجهة نظرنا، حتى ولو كانت خاطئة؛ فمع هذه المبررات نحن نقف على أرضية صلبة في ذات الموقف، وفي تلك اللحظة، وعندما نعود إلى حوارنا الـ «مونولوجي» مع أنفسنا بعد ذلك ربما نلقي اللوم على أنفسنا، ونتساءل: ألا يمكن أن نكون في غير ذات الموقف؟ أو غير هذا السلوك؟ أو أما كان من المجدي أن نأخذ بهذا الحل دون ذاك؟ وتتوالى الأسئلة الحارقة للنفس.
هل ثمة علاقة بين الأسباب التي نتكئ عليها لنبرر مواقفنا وسلوكياتنا، التي نلام عليها من قبل الآخرين؟ هناك من يرى أن الأسباب شيء، والمبررات شيء آخر؛ فنحن مخيرون وفق هذه النظرة، وآخر يرى أن الأسباب هي المبررات، وأنه لولا هذه الأسباب لما احتجنا للمبررات؛ فنحن مسيرون وفق هذه النظرة أيضا، ولا تزال المسألة عالقة عند هذه الحقيقة.
فهناك طالبان يعيشان في أسرة واحدة؛ أحدهما متفوق دراسيا بلا منازع، وآخر متذبذب المستوى، هما يعيشان في الظروف الأسرية نفسها، من حيث تلبية الاحتياجات المادية وغير المادية؛ فأسباب المعيشة واحدة، والمعاملة الأسرية واحدة، فقط أحدهما أكثر نشاطا اجتماعيا من الآخر: معسكرات عمل، وأنشطة اجتماعية، وأنشطة رياضية، وعندما يأتي تقييم الأسرة لكليهما من ناحية المستوى الدراسي في نهاية العام، تأتي مبررات الأقل في المستوى الدراسي على أنه يمارس أنشطة اجتماعية أكثر من أخيه، وبالتالي يرى في هذه الأنشطة أن لها الدور في هذه الجانب، والمثل ذاته ينطبق على موظفي مؤسسة ما؛ حيث يتمايز موظفو المؤسسة في إنتاجهم الوظيفي، مع أن الجميع -غالبا- يستلم راتبه في آخر الشهر، والجميع يترقى مع نهاية الاستحقاق للترقية، والجميع يحصل على دورات تدريبية، ولو بمستوى نسبي، وعندما يأتي السؤال عن سبب تدني هذا الموظف عن الآخر، تأتي مجموعة المبررات، وقد تزج الأسرة ضمن هذه المبررات، وقد تضاف الظروف المحيطة: الصحية، والاجتماعية، والمعرفية في سياق هذه المبررات، وقس على ذلك أمثلة كثيرة من واقع الحياة اليومية عند الجميع.
هناك من يرى في نفسه، عندما يتخلص من المسؤوليات والأخطاء بإبداء المبررات، سواء قَبِلَها الطرف الآخر أو لم يقبلها، كأنه يعيش نوعا من الاستذكاء لا يتحقق عند آخرين، وهذا غير صحيح، فالآخرون ليسوا أغبياء إلى درجة أن تنطلي عليهم مجموعة الالتواءات التي يمارسها المبررون، وقد يبدو السكوت عند الدخول في مناوشات؛ لتقيل الصدامات، والبقاء عن نوع من التواصل الخجول، ليس إلا.
تقول الحكمة: «الفضيلة بين طرفين كلاهما رذيلة»؛ فالإغراق في الأسباب الجانبية لتبرير الأخطاء، أو عدم القيام بالواجب، أو التقصير في المهمة، هو معيب بلا شك، وكثيرا ما نواجه من قبل الآخرين بمقولة: «عذر أقبح من ذنب»، وعدم الأخذ بالأسباب من جانب آخر، هو ذاته سوف يؤدي إلى جوانب التقصير، والأخطاء، وللخروج من هذا المأزق الذي تتنازعه الأسباب والمبررات هو المراجعة المستمرة لتصويب الأخطاء، والبحث الفوري عن الحلول الذاهبة إلى التقليل من هذه الأخطاء، بالإضافة إلى القدرة والشجاعة على الاعتراف بالخطأ؛ وتحمل المسؤولية، وعدم اللجوء دائما إلى المبررات، وخاصة السلبية منها؛ لأن ذلك يعكس فكرة غير إيجابية عن شخصياتنا وسلوكياتنا، ومعيبة كثيرا المواقف التي تتكرر فيها المبررات.