سيرة السلام وثمرات التعايش الإنساني

من نعم الله علينا في هذه الأرض الطيبة نعمة الأمان والسلام والاستقرار التي تعززت عبر مسيرة قرابة خمسة عقود من النهضة المباركة التي عمت أرجاء السلطنة منذ تولى جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم في البلاد عام 1970، ولا شك أن الذين عاشوا تلك الأيام والسنين الباكرة يدركون حجم المتغيرات التي جرت على أرض الواقع، ما بين صورة الأمس واليوم، وبحمد الله فإن بلادنا الحبيبة اليوم تعيش هذا الأمان والسلام الداخلي الذي تعزز عبر العديد من الأمور، أبرزها الحكمة السامية لجلالة السلطان المعظم الذي ركز في البدء على صياغة الحياة المسالمة والتعايش الأخوي بين أبناء عمان وفي إطار علاقات السلطنة مع الجيران ومجمل دول العالم، في ظل سياق من الإيمان العميق بالروح الإنسانية والمضي إلى الآفاق التي تجمع بين الشعوب في بوتقة واحدة تؤكد السلام والإخاء والنهضة البشرية القائمة على التعاون والتواصل لأجل معنى مشترك يدفع الحضارة العالمية.
إن الحديث عن السلام وهذه الروح من التعايش الأخوي والإنساني، يأتي في إطار حديثنا عن الأعياد وحيث تعيش بعض الدول في محيطنا الإقليمي وفي عدد من بلدان العالم أوجاع التمزق والحروب والصراعات الأهلية وسائر أشكال المعاناة الإنسانية، ولعل إدراك حجم ما تحقق على أرض عمان يغذي النفوس إلى المزيد من العمل على المستقبل بالحفاظ على هذه النعمة وتأكيد الروح التشاركية والجماعية التي تمكن من تلمس الآفاق البعيدة وبناء الحياة الأفضل، وفق ما يتحرك به العصر الراهن من معطيات ومقتضيات، فالإنسان هو ابن التاريخ يسهم فيه ويأخذ منه ويتعايش معه، في الوقت الذي يكون فيه مدركًا للحدود التي يتحرك فيها حتى لا يضيّع قيمه وتقاليده وما توارثه عن الأجداد والآباء، بأن يأخذ الإيجابي منه ويدمجه في سياق العصر والحداثة والمعاصرة.
وإذا كان الحديث عن نسيج السلام والإخاء والتعايش؛ فإنه لا بد من إلقاء الضوء على العديد من المناطق والمعاني المحيطة بهذا المعنى، من تعزيز قيم حقوق الإنسان وكرامته والأخلاق السمحة، وحفظ الحق والواجب، وسيادة دولة القانون، وبناء المؤسسات الشورية وغيرها مما يؤخذ به في هذا الشأن مما يشير إلى التكاملية في هذا النسيج المتصل الذي يعبر عن نهج أصيل وسديد في بناء الدولة العصرية، التي لها هوية وجذور وهدف في ظل محيط مضطرب من الهويات والأهداف المتشاكسة وغياب الجذور في بعض الأحيان.
إن تأمل التجارب وأخذ العظة من التاريخ واللحظة المعاصرة، سواء عبر المقارنات مع الأمس أو مع ما يدور في مجمل العالم من أحداث ووقائع، كل ذلك يفتح باب الأمل والتوقعات للكائن البشري؛ لكي يتجاوز الألم أو أية تحديات قد تقف أمامه، بحيث يفكر في النقاط الإيجابية التي يدعم بها طريقه إلى العالم الأفضل والمنشود ولا يتحقق ذلك إلا بمزيد من الاستلهام المتواصل لإرادة الانتصار على الذات في كافة المعوقات والتضاريس التي تعترض الحياة اليومية ورحلة الوجود عامة.