​عن تعولُم العصبيّات

د. رفيف رضا صيداوي –

اختلال العالَم، والفوضى العالَميّة، واللّاعدالة أو اللّامساواة، والشعبويّة، وغيرها الكثير من المفاهيم والمُصطلحات التي احتلّت عناوين المؤلَّفات النظريّة والخطابات الفكريّة والثقافيّة تحديدًا في العالَم أجمع، منذ انتهاء الحرب الباردة، أعادت معها الكلام على العُنف المُستشري، والديمقراطيّة المزيَّفة، والرأسماليّة المتوحّشة، وموت الإنسان، والاستغلال، والهَيمنة…إلخ؛ لكأنّ ما يضجّ به هذا الخطاب الفكريّ الثقافيّ العالَميّ يشي بالتهديدات التي تترصّد السِّلم الاجتماعيّ سواء داخل المُجتمعات نفسها أم فيما بينها.
ولئن انكبّ عُلماء الاجتماع والفلاسفة والمنظّرون عمومًا، من مَيادين العلوم الإنسانيّة المُختلفة، لتفسير ما يجري؛ فإنّ مفهوم «العصبيّة» عاد ليحتلّ مَوقعًا مركزيًّا في سياق تحليل ما يجري، بوصفه العامل المحرِّك لأزمة مجتمعاتنا بشكلٍ خاصٍّ، ودَورانها في فلك «التخلّف» و«الأصوليّات» «والتقاتل والتنابُذ». ثلاثة كُتب صدرت تِباعًا في لبنان خلال عامَين تُركِّز على العصبيّة: كِتابان لعالِم الاجتماع فردريك معتوق بعنوان: (صدام العصبيّات العربيّة) (2017) و(مُجتمعات ودول العصبيّة إلى أين؟ سوسيولوجيا العصبيّات) (2018)، وثالثٌ لأستاذ عِلم النَّفس الدكتور مصطفى حجازي بعنوان: (العصبيّات وآفاتها: هدر الأوطان واستلاب الإنسان) (2019). في كِتابه الأوّل، درسَ معتوقُ العصبيّةَ سوسيولوجيًّا، كاشفًا وموضِحًا أبعادها في الثقافة العربيّة ماضيًا وحاضرًا، فضلًا عن ديمومتِها في الواقع الاجتماعي اللّبناني والعربي العامّ ومقاومَتِها للتغيير الفكري والثقافي. ثمّ جاء كِتابه الثاني المُخصَّص لسوسيولوجيا العصبيّات مكمِّلًا للأوّل، ومُبيِّنًا القاسِم المُشترَك بين العصبيّة البدويّة والعصبيّة الحضريّة في الماضي والحاضر من جهة، وبين العصبيّة القبليّة والعصبيّة الدينيّة والعصبيّة المذهبيّة من جهة أخرى، طالما أنّ جوهر هذه العصبيّة، وأيًّا كان شكلها، يقوم على «سعي مُستدام للمُلك، ونزوع دائم لفرادة الانتماء، وتشديد مُستمرّ على الولاء والوفاء المُنغلقَين، وانصياع تامّ لقانون الغُلب، ونفي رمزيّ للآخر».
بدَوره، قرأ الدكتور مصطفى حجازي المسكوت عنه في واقع مجتمعاتنا، انطلاقًا من فرضيّة أساسيّة وهي «أنّ بنانا الاجتماعيّة/‏‏ والاقتصاديّة/‏‏ والسياسيّة ظلَّت على امتداد التاريخ العربي محكومة منذ تسعة قرون بثلاثيّة بنية العصبيّات، والفكر الأصولي والاستبداد»، مبيِّنًا أنّ المُقاربات المُختلفة، على أهميّتها، لم تخترق اللّاوعي الثقافي الجمعي.
وجديده في هذا الصدد أو جديد مُقاربته، أنّه استند إلى التجربة المُعاشة والملاحظة العياديّة لتصرّفات الناس في الواقع الحيّ، ما سمح له بالنّفاذ إلى التماس كيفيّة ترسيخ اللّاوعي الثقافي الجمعي لذهنيّة الاستبداد وأحاديّة السلطة وتمثُّل التزمّت الديني الذي يدفع إلى التبعيّة والرضوخ، فضلًا عن ترسيخ اللّاوعي الثقافي الجمعي لتجذُّر البنى العصبيّة المتحكّمة في أحوالنا الاجتماعيّة والسياسيّة.
لا يعني كلامنا هذا أنّ العصبيّة مقرونة حصرًا بالعرب ومجتمعاتهم؛ فالعصبيّة ظاهرة إنسانيّة كونيّة كانت أساسًا جزءًا «من التطوّر المَعرفي البشري؛ حيث إنّها شكَّلت أوّل شكل للوعي التعاضدي المركّب الذي نقل البشر عمومًا من طور إلى طور» (معتوق: صدام العصبيّات العربيّة)، غير أنّ الإشكاليّة تكمن في ترسُّخ «العصبيّة» وديمومتها كتكوينٍ تقليديّ، ذي مضمون تعصّبي عنصري إلغائي قائم على التمييز وعلى إقصاء الآخر وإلغائه؛ حيث إنّ دولة الحقّ والقانون التي سار الغرب على هديها، كانت قمينة بعقلنة العصبيّات، استنادًا إلى مُعادلة التضادّ بين مكوّنات العصبيّة الأولى القائمة على القوّة والغرائز والتغلّب والمُلك من جهة، ودولة القانون والحقّ من جهة ثانية، حيث الحقّ «هو مجموع الشروط التي تُلائِم بين حرّيتنا وحرّية الغَير، وفقًا لناموسٍ شاملٍ للحرّية» (إيمانويل كانط: مشروع السلام الدائم، ترجمة عثمان أمين، 2007)، سواء داخل المجتمع الواحد أم بين المجتمعات؛ لأنّ «حالة السلام بين أناسٍ يعيشون جنبًا إلى جنب ليست، بحسب المرجع نفسه، أي بحسب كانط، حالة فطريّة؛ إذ إنّ الحالة الفطريّة أدنى إلى أن تكون حالة حرب، وهي إن لم تكُن دائمًا حربًا مُعلَنة، إلّا أنّها على الأقلّ منطوية على تهديدٍ دائمٍ بالعدوان».
مُقارَبة معتوق وحجازي لـ«العصبيّة» وترسُّخها في مجتمعاتنا في القرن الحادي والعشرين، تأتي اليوم للكشف عن نظامٍ تقليديّ وبائدٍ ورجعيّ، أو لنقل باختصار: «إنّه ما قبل حداثيّ»، من التوجّهات والسلوكيّات وآليّات التفكير التي تتحكَّم بالأفراد والجماعات وبنظرتهم إلى الماضي والحاضر والمستقبل. صحيح أنّ مُقارَبة حجازي ركّزت على الإنسان مقابل تركيز معتوق على المجتمع، لكنّ كلا المؤلِّفين أسهما معًا بطريقة غير مباشرة في الإجابة عن سؤال يتكرّر منذ عقود وهو: لماذا تقدَّم الغرب وبعض بلدان الشرق (تجربة النمور الجُدد) وتأخَّر العرب؟ والجواب هو في ديمومة العصبيّات وحيويّتها اللّتَين تغذَتا ببنية الدولة وبتعطّل وظيفتها بالمعنى الفيبريّ. درسَ معتوق العصبيّةَ بوصفها تعبيرًا عن حالة اجتماعيّة زمنيّة متحوّلةٍ وليس بوصفها مفهومًا ساكنًا، موصِّفًا وراصِدًا تغيُّر العصبيّة زمنيًّا بفعل التطوّر الاجتماعي الذي طاوَل مرتكزاتِها، وما نتجَ عن ذلك من إخفاقٍ في التغلّبِ على «الهابيتوس» العصبيّ الكامنِ في المجتمعاتِ العربيةِ كافّةً، وفي مختلفِ نُخبِها التي من المُفترض أنّها نخبٌ غيرُ تقليديّةٍ، مثل القوى والأحزاب الاشتراكيّة والشيوعيّة والقوميّة والتقدّمية… إلخ؛ بمعنى آخر: تناول بحث معتوق السوسيولوجي العصبيّة بوصفها مفهومًا «تركيبيًّا» و«ذهنيًّا» قابلًا «لإخضاع نفسه لعمليّاتِ إعادة هيكلة بحسب الحاجة الموضوعيّة للجماعة التي تعتمدُه» (معتوق: صدام العصبيّات العربيّة)، فضلًا عن تمتّعه «بمرونٍة Resilience بنيويّةٍ، بقائيّة (…) تسمح له، بل تفرض عليه، التآلفَ الدائمَ مع كلِّ جديد».
أمّا حجازي؛ فدرَسَ «سيكولوجيّة العصبيّةَ في ديناميّاتها الجمعيّة (النحن العصبيّة) وعلاقات أعضائها بعضهم ببعض، وبالزعيم رئيس العصبيّة، وبحالة التماهي مع الزعيم وبعضهم مع بعض، وما ينتج عنها من حالة الذوبان الكياني في هذه النحن العصبيّة، ممّا يُطلق العنان لسلوكات العنف ضدّ العصبيّات الأخرى…».
هكذا اكتملَ المَشهد: تتجاوَز الكياناتُ الطائفيّة أو العشائريّة أو الاتنيّة دَورَها ككياناتٍ من المجتمع المدنيّ فحسب، بحيث تمدّ هذه الكياناتُ «العصبويّةُ» الدولةَ بأسبابِ وجودها في إطارٍ من التوازنات المُتبادَلة. في هذه الحالة، التي لا يُمكن الكلام فيها على دولة حديثة عصريّة ديمقراطيّة في الجوهر، لا بدّ أن يوكل أمر حماية الأفراد إلى كيانات ما قبل الدولة، وأن يُسيطِر على المشهد الاجتماعيّ العامّ تضاربُ الانتماء الدّينيّ أو الاتني مع الانتماء الوطنيّ، فيغيب مبدأ المُواطنة ليحلّ مكانه مبدأُ التوازنات الذي يوهِم بتحقيق السِّلم الاجتماعيّ، فيما يكون هو في الحقيقة في صدد القيام بدَوره في تحقيق «الهُدَن» (من هُدنَة) وما يواكب هذا الدَّور من وظائف أبرزها: عَرْقَلَة بناء الدولة الوطنيّة الديمقراطيّة الحضاريّة الحديثة، والإيهام بالسّلم الاجتماعيّ؛ نتيجة عدم قدرة الدولة التي تستمدّ وجودها نفسه من كيانات ما قبل الدولة، على حماية مواطنيها، الأمر الذي يُبقي المجتمع في حالةٍ من انسدادِ الأُفق.
ولا ينفي الكاتبان تدخّل قوى الاستعمار في تغذية العصبيّات للحؤول دون تقدّم مجتمعاتنا وتنميتها، لكنّهما وضعا، كلٌّ منهما على طريقته، العصبيّة والعصبيّات على طاولة التشريح والنقد. فرأى معتوق أنّ «العصبيّات أثمن هديّة سياسيّة تقدّمها المجتمعات التقليديّة للغرب في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، ماضيًا وحاضرًا. وقد أتقن الغربيّون(…) عِلم العصبيّات منذ زمن»، وذلك بالاستعانة بأنثروبولوجيّيهم في الهند والسودان فنجحوا في تقسيمهما، وفعل الأميركيّون الشيء نفسه في العراق فدمّروه وقسّموه. ورأى حجازي أنّ تدخّلات قوى الاستعمار ما كانت لتفعل فعلها، بهذه الأشكال المؤثّرة، لولا فقدان المناعة التي تعانيها بنانا الاجتماعيّة وأنظمتنا الاقتصاديّة والسياسيّة». وبحسب زيجمونت باومان، في كتابه (الحداثة السائلة) (ترجمة: حجّاج أبو جبر)، فإنّ المجتمعات، إذ تنحو إلى أن تكون جماعات عصبيّة (طائفيّة ومذهبيّة وعرقيّة وعنصريّة وقوميّة وجنوسيّة وطبقيّة اجتماعيّة ولغويّة… إلخ) في أكثر من مكانٍ، وبخاصّة الشرق الأوسط والعالَم العربيّ؛ فلأنّ العَولَمة «حقَّقت نجاحًا في زيادة عنفوان العداوة والاقتتال بين الجماعات البشريّة يفوق نجاحها في تشجيع التعايش السلميّ بين المجتمعات»، فضلًا عن غياب «ميراث الحداثة الصَّلبة» وخضوع المناخ العالَميّ للحداثة «السائلة»، اللّذَين يسهِّلان العودة إلى العصبيّات الضيّقة والشّرسة في البلدان المُستضعفة ذات التواريخ التي خـرجت -بحسب برتران بادي Bertrand Badie في بحثه «ما هو عالَم اللّامساواة»، من ضمن كِتاب أوضاع العالَم 2016- «من حال القوّة إلى حال الفعل أو تفعَّلت في ثقافات لم تلبث أن تعرّضت للإخضاع، والتصنيف، ثمّ إلى التحييز وإلى وضعها في وضعيّةِ الدونيّة، وتظهـر اليوم وتتجلّى كتحدّيات تُواجِه الكونيّة الجامِعة الغربيّة»؛ فيما تَستخدم البلدانُ/‏‏ القوى الكبرى الرّاهنة حُجَجَ الهويّة كإيديولوجيا تمكّنها من الإمعان في تفتيت بلدان الشرق الأوسط والعالَم العربي للحفاظ على مكتسباتها في خارطة القوى العالميّة في ظلّ العَولَمة الرّاهنة؛ إذ إنّ استنهاض الهويّات في هذا الإطار غدا السلاح الإيديولوجي، غير المادّي، لحروب العصبيّات الطائفيّة والعشائريّة في ما بينها، بقدر ما هو الورقة التي يلعبها أهل العصبيّة الواحدة أو رجالاتها لتأبيد ارتباط مصالحهم بمصلحِتها ووجودهم بوجودِها.
لذا تنشط في الآونة الأخيرة حروب الذاكرة؛ لكون الذاكرة هذه هي أحد أبرز مكوّنات السلاح الإيديولوجي الذي يستخدمه أصحاب النفوذ والكلمة للحفاظ على توهّج «العصبيّات» من كلّ نوع لدى أفراد جماعاتهم؛ وهذا ما يسمح أو يُسهِّل « أَدْلَجَة الذاكرة» وتسخيرها والتلاعب بها كما يكرِّر الفرنسي بول ريكور في أكثر من مكان. والنتيجة تكون مزيدًا من تصارُع «الذاكرات» لمصلحة الانغلاق الهويّاتي الضيّق الذي يُضفي على المُنتمين له، من أفراد عشيرة أو طائفة أو مذهب معيّن، شعورًا عارمًا بالأمن والطمأنينة والقوّة في إطار نسقهم الثقافيّ؛ حيث إنّ كلّ نسق قادرٌ على «تمثيل نفسه وتلبيس معانيه بقيَمٍ مثاليّة خدّاعة، فقد يلبس لِباس الدّين ليُفسِّر النصوص حسب شرطه النسقيّ، وقد يلبس لبوس الثقافة فيدّعي صفاءً عرقيًّا مُفترَضًا، وقد يلبس لبوس الأخلاق فيدّعي قِيمًا أخلاقيّة ذاتيّة ليس لها برهان واقعيّ، والنَّفس تُصدّقه لا لأنّها تجهل المنطقيّ والعقلانيّ والشرعيّ، وإنّما لأنّها تجد أنّ النسق يعطيها ميزة رمزيّة بأفضليّة ستزول عنها لو أنّها أعملت شروط المنطق والشرع…» (عبد اللّه الغذّامي، القبيلة والقبائليّة، 2009).
من هنا جاءت دعوة معتوق إلى محو العصبيّة قبل محو الأمّية كبنْدٍ أساس من بنودِ تشكيل «أنموذجٍ إرشاديٍّ جديد» وإلى بناء ديمقراطيّة تكون ممثلة للبديل التكاملي الصحيح للقضاء بنيويًّا على العصبيّة. وقد التقت دراسة حجازي بالهدف نفسه، وإن من خلال توجّهها، لا إلى المجتمع، بل إلى الإنسان بالذّات، عبر الدعوة إلى تحريره من «الاستلاب الكياني الجذري» المتمثّل في الذوبان في «النحن» العصبيّة، واستعادته إنسانيّته من خلال مشروع وطني تنموي إنتاجي كبير «من قِبَل الإنسان، وبوساطة الإنسان، ومن أجل الإنسان».
المقال ينشر بالاتفاق مع مؤسّسة الفكر العربي