وجــع الحـيـاة

عادل محمود –

هناك أسطورة تقول: عن أحد آلهة جبل الأولمب… (موطن آلهة اليونان) كان يشعل بركانًا في مأتم شاعر أو بطل.
في إحدى يومياته كتب الشاعر محمود درويش (هذا الشهر ذكرى رحيله الحادية عشرة):
«يمشي على الغيم في أحلامه
ويرى ما لا يُرى.
ويظن الغيم يابسةً…
عالٍ هو الجبلُ،
أعلى وأبعد.
شيء يذكّره باللامكان، فيمشي في هواجسه…
يمشي… ولا يصلُ
كأنه هو، أو إحدى صفات (أنا) وقد تقاسمها الضدان بينهما:
اليأس والأمل».
كان محمود، كأحد الفلسطينيين العاديين من حيث الهجرة، والطفولة في المنفى. حلم العودة، العودة الناقصة، والحياة الطارئة في مدن وبلاد، وغرف، وإقامات مؤقتة… في حقيبة: «وطني حقيبة وحقيبتي وطني» و «كلما آخيت عاصمة رمتني بالحقيبة».
ولكن محمود الفلسطيني كان… محمود الشاعر الذي يقول:
«بحياء أحيا كما لو كنت ضيفًا على غجري يتأهب للرحيل».
كما كانت فلسطين مؤلمة كمأساة عصر… ووطنًا ضائعًا في المنطقة الأعقد اشتباكا للأساطير وللرماح والسيوف والمدافع والأمم والثروات… فهي كانت تضيف للشاعر آلامًا إضافية: الشعر المؤلف من مواد حارقة، بمحتواه الذي يجعل الأصابع دامية كلما لامست قيثارة المنفى، وناي الوطن.
كم هو فادح أن نقول: «لجميع الناس بيوت… حتى الوحوش.
ولجميع الناس أوطان… حتى إسرائيل.
ولجميع الناس مقابر… حتى الغزاة».
وهكذا… لا نستطيع أن ننسى منظر نعش محمود، وهو يترنح بين أيدي الفلسطينيين ليدفن في رام الله، لا في البروة مسقط رأسه أو حيفا موطن أحلامه.
في تلك اللحظات من شهر أغسطس 2008 كنت أردد وأنا أتفرج على الجنازة وقلبي يشبه الفوضى:
«ليس لي منفى ليكون لي وطن…
الله… يا زمنُ!»
هذه العبارة، التي لا يمكن الإحاطة بالأسى والأسف المتضمن فيها…
الموت عند محمود درويش شخصية مكشوفة، ولقد واجهها في الجدارية… كتابه الأساس عن الموت، الذي يصفه أحد زملائه في الشعر: «الحياة إجازة قصيرة يمنحنا إياها الموت»، ويختم درويش حياته وشعره بهذه الجملة:
«أسباب الوفاة عديدة… من بينها وجع الحياة».