عن الاتفاق الأمريكي – التركي بخصوص شمال سوريا

ماجد كيالي –

أخيرًا، وبعد مفاوضات طويلة ومضنية، استمرت لأكثر من عام، تم التوافق بين الطرفين التركي والأمريكي على إنشاء «منطقة آمنة»، في شمال سوريا، على الحدود التركية – السورية، شرق الفرات، حيث توجد قوات سوريا الديمقراطية (المشكّلة أساسا من الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي).
علما أن ذلك الاتفاق الأولي لم يأت بتلك السهولة، إذ شهدت الفترة الماضية خلافات كبيرة ومتشعبة بين الطرفين المذكورين، شملت صفقة التسلح التركي بمنظومة الدفاع الجوي الروسية الصنع (أس 400)، كما شملت الموقف التركي من عديد من الملفات الإقليمية، وضمن ذلك دعم الولايات المتحدة للجماعات الكردية المسلحة، ورفضها إتاحة العمل العسكري لتركيا ضد تلك الجماعات في شرق الفرات.
على ذلك فإن الاتفاق الحاصل (السادس من أغسطس) لا يفيد بتطابق بين الطرفين التركي والأمريكي في إدراك كل منهما لمعاني المنطقة الآمنة أو لحدودها السياسية والعسكرية، كما بخصوص توظيفها مستقبلا في الصراع السوري، فلكل منهما حساباته وأجنداته المختلفة عن الآخر. مثلا، الولايات المتحدة تتوخّى من خلالها تثبيت خطوطها الحمر شرق الفرات، إقفال الحدود العراقية – السورية، وحماية حليفها المتمثل بالقوات الكردية.
أما بالنسبة لتركيا فإن الغرض الأساسي من طرح المنطقة الآمنة بالنسبة لها، في هذه المرحلة، يكمن في سعيها لتحجيم قوات حماية الشعب، التابعة لحزب الـ(بي واي دي)، السوري الكردي، والتي تعتبرها جزءا أو امتدادا سوريا لحزب العمال التركي، الذي ترى فيه فصيلا إرهابيا، وتهديدا لأمنها القومي، كما يكمن في سعيها الحؤول دون أي تواصل بين المناطق التي تسيطر عليها القوات الكردية، وتحجيم دورها كطرف تعتمد الولايات المتحدة عليه.
أيضا، تم التوافق بأن لا يزيد عمق النفوذ العسكري التركي عن 10 كلم في الداخل السوري، في حين كان تركيا تطمح أن تشمل تلك المنطقة مجمل منطقة شرقي الفرات وبعمق عشرات الكيلومترات.
إضافة إلى ما تقدم لوحظ وجود غرفة عمليات تركية – أمريكية، وهذا يعني أن التحركات العسكرية التركية ستبقى مضبوطة وفق إيقاع التوافق مع الولايات المتحدة الأمريكية، أي أنه لن يسمح لها بالعمل منفردة.
من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن التوافق على «المنطقة الآمنة»، في الحدود والمعاني المذكورة، ما زال لم ينضج تماما بعد، إذ إضافة إلى التباينات الأمريكية – التركية، في حدود تلك المنطقة وطبيعتها وتوظيفاتها أو استهدافاتها السياسية، ثمة تباينات تركية – روسية، أيضا، إذ لا يمكن استثناء روسيا من هكذا توافق، وإن بشكل مبطن، سيما أن روسيا تشترك مع ايران وتركيا بتحالف آستانة، ناهيك عن الدور الروسي الكبير في توجيه دفة الصراع السوري، وضمن ذلك ما يحصل في إدلب، وهي منطقة نفوذ مشترك روسي وتركي، ما يجعل تركيا مضطرة للتعامل مع روسيا في ما يخص ترتيبات شرقي الفرات، على سبيل التبادل أو المقايضة. أما في النتائج التي يمكن أن تتمخّض عن فرض المنطقة الآمنة، مهما كان شكلها وحدودها ومعانيها، فيمكن ملاحظتها في الجوانب الآتية:
أولا: صعوبة استمرار التوافق بين دول آستانة (روسيا وإيران وتركيا)، إذ من المشكوك فيه أن تستمر على النحو الذي كانت عليه، بعد إقامة تلك المنطقة بحكم تأثيراتها المختلفة على الصراع السوري والأطراف الدولية المنخرطة فيها.
ثانيا: إن إقامة منطقة آمنة في شرقي الفرات، في حال استتب لها الأمر مع الولايات المتحدة، سيعني بداهة مزيدا من التدخل التركي في الصراع السوري، بعد عمليتي درع الفرات (2016) وغصن الزيتون (2018)، أي أن تركيا ستصبح من أهم الدول المقررة في ترتيبات الحل السياسي لسوريا المستقبل.
ثالثا: ستجد روسيا نفسها في وضع صعب، نتيجة التوافق الأمريكي – التركي، إذ ليس من صالحها أن تخسر لا الولايات المتحدة ولا تركيا.
رابعا: إن إقامة تلك المنطقة سيعني ذلك أن الولايات المتحدة حسمت أمرها في مسألتين، أولاهما: إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، وثانيهما: التمهيد لفرض توافقات سياسية لحل الصراع السوري.
عموما فإن تجربة الصراع السوري، التي اختبرناها طوال السنوات الماضية، علمتنا أن ثمة مفاجآت دائمة، وتحولات مستمرة، كما ثمة متغيرات في تموضع كل طرف من الأطراف، لذا فمن البديهي أنه من الصعب الحديث بيقينية سواء عن الأشكال التي سيتخذها هذا الصراع، أو بخصوص توقع نهاياته، وهذا ينطبق على فكرة المنطقة الآمنة، مهما كانت حدودها ومعانيها.