حان وقف الحروب لمنع استنزاف القدرات العربية

د. عبدالعاطي محمد –

لم يعد مقبولا بعد كل هذه السنوات من الاستنزاف للقدرات العربية أن يستمر العمل في إدارة الاختلاف بالحروب، وإنما بالعودة إلى صواب ما ارتضاه العالم المتحضر وهو الحل السياسي، أي القبول بالحلول السلمية الوسط بكل ما تتطلبه من تضحيات، فليست هناك حلول سياسية عادلة بالمطلق وإنما هناك تنازلات بناءة تحقق حالة مُرضية أو مقبولة للجميع.
في الوقت الذي تعمل فيه الصين على إحياء طريق الحرير، وتعمل روسيا على صعود ما يسمى بأوراسيا أو ربط أوروبا بوسط آسيا، لا نسمع ولا نرى شيئا من خطوات إقامة تحالف اقتصادي ضخم يضم الدول العربية بما يجعلها تتوازن مع مثل هذه التحولات الكبرى التي من شأنها قلب موازين القوى العالمية في العقدين القادمين على أقل تقدير، مما يعنى أن المنطقة العربية مهددة ليس فقط بفقدان مكانتها السياسية على مستوى العالم، وإنما أيضا باستنزاف قدراتها المادية ومن ثم تراجع جودة الحياة إلى حد كبير.
قد يرى البعض أن تشخيصا كهذا فيه مبالغة أو تشاؤم ليس في محله بالنظر إلى أن مثل هذه التحولات التي تقودها الصين من ناحية وروسيا من ناحية أخرى تعترضها عقبات عديدة مثلما تحمل في طياتها عوامل مبشرة بالنجاح، وتحتاج إلى زمن طويل لكي تتحقق على أرض الواقع.
ومن جهة أخرى فإن صانع القرار العربي مدرك لتطورات هذه الخطوات الجبارة ويقوم بواجبه للاستفادة منها بتوسيع شبكة العلاقات مع أعضائها البارزين، ولكن بالمقابل لا يمكن تجاهل الحقائق القائمة التي تشير إلى أن ضعف الإنجاز العربي لتعظيم القدرات العربية جمعاء، وعدم الاهتمام بإقامة ما يشبه هذه المشروعات الاستراتيجية كطريق الحرير، أو طريق الميريديان الذي شرعت روسيا وجيرانها في إقامته للارتباط البري بأوروبا، والتكاسل في التفاعل مع هذه التطورات يبقى في أحسن الأحوال المنطقة العربية في وضع المتلقي لما يفيض مما تجود به القوى التي تصنع هذه التحولات التاريخية لا في وضع الشريك، ومن ثم لا يمكن توقع تغير الوضع العربي إلى الأفضل قياسا لما هو عليه الآن، وذلك من حيث المكانة الاقتصادية وبالتالي السياسية، ومن حيث جودة الحياة أو رفع مستوى المعيشة.
لا نزعم بأن المنطقة العربية مطلوب منها القيام بمشروعات على هذا المستوى بالنظر إلى فارق القدرات من مختلف النواحي مع تكتلات تتزعمها الصين أو روسيا، ولا نذهب بعيدا في الأحلام الوردية بأن تنتقل العلاقة بين المنطقة العربية وأوروبا مما هي عليه من أوجه محدودة نسبيا للتعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي إلى إقامة ما يمكن تسميته «أورابيا» أي التكتل العربي الأوروبي.
هناك فروق جوهرية من حيث المساحة الجغرافية والتعداد السكاني (السوق) والترابط البري والتاريخي والاجتماعي والموارد، مما يجعل طموحات الصين ممكنة وكذلك روسيا، كما أنه ليس هناك ترابط بري مشابه بين المنطقة العربية وأوروبا، فقط البحر هو الوسيلة، وقديما قال أساتذة الجغرافيا السياسية: إن هناك صراعا دائما بين قوة البر وقوة البحر، كل منهما يريد تحقيق الفوز بوسائل شتى. وفي عالمنا المعاصر أضحت فرصة السيطرة على البر لتحقيق التفوق الاستراتيجي أكبر من فرصة السيطرة على البحر.
لا نتحدث عن شيء من هذا القبيل فالجميع يدرك سقف الإمكانيات أو القدرات، ولكننا نتحدث عن التوجه العام بين فريق من الدول التي تتلاقى في بعض معطيات التعاون الاستراتيجي والممكنة التفعيل تريد أن تجعل من هذه المعطيات فرصة كبرى لمزيد من التقدم، وبين فرق آخر هو حالنا العربي، لديه فعلا بعض هذه المعطيات ولكنه لا يرغب أو لا يريد أن يجعل منها طريقا للمزيد من التقدم. وللحق فإن هذا التوجه العام أي تفعيل القدرات العربية المشتركة، كان قائما منذ قيام جامعة الدول العربية 1945. وهناك هيئات تتبع الجامعة قامت من أجل هذه المهمة، وعلى مدى عدة عقود لم يتوقف الحديث ولا التحرك في هذا الاتجاه، وعقدت قمم اقتصادية عربية عديدة أيضا لهذا الغرض. ولكن منذ الانقسام العربي بعد غزو العراق للكويت من ناحية، واندلاع ما يسمى بثورات الربيع العربي من ناحية أخرى، تراجع هذا التوجه العربي العام بشدة وحل محله العمل المنفرد، كل حسب ظروفه وأولوياته وحجم التهديدات التي يواجهها، ولا حاجة للتدليل على أن العمل المنفرد يمكن أن يحقق عملا جماعيا بالمستوى الذي نتحدث عنه. إذا بحثنا عن الأسباب التي قادت إلى ما آلت إليه الأوضاع العربية من تردٍ. وفي هذا المقام، ما يتعلق بإقامة تكتل عربي اقتصادي واجتماعي له فاعلية حقيقية، فسنجدها تتلخص في فشل القدرة على إدارة الاختلاف سلميا بين الأطراف العربية من المحيط إلى الخليج، وبدلا من ذلك أصبحت الحروب هي الطريق لحسم الاختلاف! وهو أمر ألقاه العالم المتحضر خلف ظهره منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل، وأما المنطقة العربية فقد أعادت إحياء هذه الرذيلة السياسية، وها هي تعود تدريجيا إلى الوراء بينما يتحرك الآخرون بسرعة الصاروخ إلى الأمام.
اختلف العرب وتعارك بعضهم على الغنيمة العراقية بعد سقوط نظام صدام حسين، فطارت الغنيمة وأصبحت موضعا للصراع بين الولايات المتحدة وإيران، واختلفوا وتعاركوا على الغنيمة السورية، وطارت هي أيضا من أيديهم وأصبحت موضعا للتنافس الشرس على مستقبلها بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران وإسرائيل، واختلفوا وتعاركوا على الغنيمة اليمنية وطارت بدورها بل تحولت إلى نكبة إنسانية يندى لها الجبين ولم يعد أحد يعرف إلى أين يكون مصيرها ولا يعرف حقيقة الصراع الإقليمي والدولي والمحلي بشأنها. واختلفوا وتعاركوا على الغنيمة الليبية فطارت من أيديهم إلى أيدي الجماعات المسلحة المتطرفة. وواضح أن الحروب هي السبب الرئيسي الذي دمر الأوضاع في هذه البقع الغالية من المنطقة العربية. لقد تمت تنحية السياسة في أي من هذه البقاع وتم استدعاء الحل العسكري. كانت المراهنة خاطئة تماما، فعندما تندلع حرب ما لا أحد يضمن النتائج ولا بد أنها ستوجد أوضاعا يقبل بها البعض ويرفضها الآخر ومن ثم يستمر الصراع إلى أمد طويل.
النتيجة المباشرة هي استنزاف جانب كبير من القدرات الاقتصادية والاجتماعية العربية إلى حد الوهن، بما يعنى صعوبة التفكير في تفعيل العمل العربي المشترك على الصعيد الاقتصادي، ليس فقط بالنسبة لإقامة تكتل اقتصادي مؤثر يحقق التوازن مع التكتلات العالمية الصاعدة، وإنما لإمكانية الاستفادة ولو في الحد الأدنى من قيام هذه التكتلات، مع الأخذ في الاعتبار الفرق الكبير بين التلقي لفائض ما تنجزه هذه التكتلات وبين المشاركة فيها، وهو ما ليس قائما في الوضع الراهن. ولا شك أن الاستسلام للحالة الراهنة من التفكك واللامبالاة بالعمل الجماعي العربي له تكلفته الباهظة على الجميع سواء بالنسبة لدول الرفاهية أو لدول الحاجة والعوز، لأن الحاصل المفترض هو إقصاء المنطقة العربية من مسار التحولات الكبرى على مستوى العالم، والإقصاء يعني تدمير القدرات العربية الحيوية على مدى الزمن تدريجيا، وإمكانية العودة والإصلاح تصبح عسيرة بعد فوات الأوان. أمام هذا الوضع لا يمكن قبول الصمت الذي يخيّم على أرجاء جامعة الدول العربية بهذا الصدد، والبيانات التي تسعى إلى الطمأنة لا تعدو أن تكون مجرد مهدئات لآلام مبرحة لا للخلاص منها. ولأن الجامعة لا تعدو أن تكون مجرد سكرتارية للدول العربية، فإن مهمة الإنقاذ مسؤولية الأعضاء في المقام الأول.
لم يعد مقبولا بعد كل هذه السنوات من الاستنزاف للقدرات العربية أن يستمر العمل في إدارة الاختلاف بالحروب، وإنما بالعودة إلى صواب ما ارتضاه العالم المتحضر وهو الحل السياسي، أي القبول بالحلول السلمية الوسط بكل ما تتطلبه من تضحيات، فليست هناك حلول سياسية عادلة بالمطلق وإنما هناك تنازلات بناءة تحقق حالة مُرضية أو مقبولة للجميع. المهم أن يدرك الجميع وبصدق أن إدارة الاختلاف لا تتم بالعمل المسلح وإنما بالتفاوض السياسي. لقد حان الوقت لأن تتحلى الحكومات العربية بالشجاعة السياسية وتقول كفى، وعلينا أن نبدأ صفحة جديدة تحفظ لشعوبنا وأجيالنا القادمة ما لديهم من قدرات وتبنى عليها إلى الأفضل.
إن التكتلات التي تريدها الصين أو روسيا تتوافر لها عوامل النجاح، ولكن في الوقت نفسه هناك عقبات تعترضها تتعلق بتضارب المصالح أو العجز عن توفير التكلفة المالية، فضلا عما قد تبذله الولايات المتحدة من تحركات مضادة لدرء ما تسببه لها هذه التكتلات من مشاكل، ومع ذلك فإن هناك عنصرا مهما للنجاح هو أن أطراف هذه التكتلات لديها القدرة على إدارة اختلافاتها بالطرق السلمية لا بالدخول في حروب فيما بينها، وهذا هو الدرس الذي يجب أن تتعلمه الدول العربية بعد تجارب التنافس المريرة على الغنائم في السنوات الأخيرة.