الوائلي: الصفح والتسامح وإنهاء القطيعة والقضاء على مسبباتها.. أبرز آداب العيد

د. سعيد الوائلي

الأعياد شرعت للتنفيس وإظهار الفرح والسرور واللهو المباح –
الحراصية: «الأحكام والسنن» في أعيادنا يسيرة سهلة تحمل بين طياتها خيرا وفضلا عظيما –

يأتي العيد بما فيه من معنى الفرحة والسرور، ليكون في إطاره الذي حدده له الشرع الشريف، بما أولاه الإسلام في تشريعه للحياة ما يناسب الناس من مقومات حياتهم، لأن الإسلام دين غطت شموليته جوانب الحياة في كل ظروفها، وكان ضمن ذلك: عنايته بأفراح الإنسان وأتراحه، كما راعى الجوانب المادية الجسدية والمعنوية والروحية. وقد نظم هذا الدين الحنيف فرحة الإنسان في أعياده، فلم يجعلها بفوضى أو إسراف مجاوز للحد، ولا بالبغي والعدوان والتعدي على حقوق الآخرين، ولا بمخالفة سنن الحياة الطبيعية.. ذلك ما أوضحه د. سعيد بن سليمان بن خلفان الوائلي – عضو الهيئة التدريسية بكلية العلوم الشرعية بمسقط.. مبينا أن الإسلام دين عبادة ومعاملة وخلق، وهو دين يسر وسماحة وبشر، يدعو أهله إلى الجمال والحسن والفضل.. كل ذلك في إطار منظومة متكاملة، لا تعرف التضاد والنفور والتصادم بين الأحكام والمبادئ التي تدعو إليها. وفي هذا الإطار تأتي فرحة العيد إثر العبادة التي ينهيها المسلم، ليزداد ارتباطه بدين ربه، ويجد ما يرضي فطرته ورغبات نفسه في نظام شرعه.
وأشار إلى أن عيد الفطر يأتي بعد أن يكتمل ركن من أركان الإسلام وهو صوم رمضان، يعدّ عبادة أخرى في صورة فرحة.. فهو عبادة بفرحة وفرحة بالعبادة المنجزة، وتظهر لنا جانبا مما ينبغي إظهاره من معاني الدين، عكس ما يتصور بعض الناس من مرضى القلوب أن الإسلام دين التزمت والعبوس، والكآبة والحزن، وأنه ليس في الدين فرح وسرور لأن الله لا يحب الفرحين، وأنه لا بد أن يظهر المسلم بوجه الأسى والتبذل ليدل على مقام العبادة والتذلل.. ولتصحيح هذا الفهم، نجد في كتاب الله عز وجل بيانا واضحا لفرح مشروع غير مذموم، كما نراه في مواضع أخرى يبيّن الفرح المذموم ليتجنبه المكلف الساعي إلى رضوان الله، فمن الآيات التي تدل على الفرحة المشروعة قول الحق تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)، فليس حرام على الناس أن يفرحوا بفضل الله وبرحمته، بل يأتي في هذا النص دلالة على مشروعية الفرحة في إطارها المشروع.
ومن نصوص الكتاب العزيز أيضا قوله سبحانه: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)، فلم ينكر على المؤمنين فرحهم بالنصر والتأييد، وهكذا الفرح بالنعمة التي تصل الإنسان بصفة عامة، قال تعالى: (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ). بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتهلل فرحا واستبشارا في بعض المواضع، كما جاء عن الحسن في قول الله عز وجل: (إن مع العسر يسرا)، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما مسرورا فرحا وهو يضحك وهو يقول: «لن يغلب عسر يسرين إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا». وعن عبد الله بن الزبير في قصة إسلام عكرمة، أنه لما بلغ باب رسول الله صلى الله عليه وسلم استبشر ووثب له رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على رجليه فرحا بقدومه.
وقال: نعم قد ذم الفرح في مواضع من القرآن، كمثل ما جاء في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ)، وقوله سبحانه: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)، وقال عز وجل: (ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ). ولنا أن نلاحظ أن الفرح المذموم في إطار معين، ومقيد بما يقيد به من فرح بغير الحق أو فرح ببطر وتكبر في الأرض، أو فرح بفخر وتعالٍ وإسراف، بعيدا عن الشكر واستشعار نعمة المولى عز وجل، أو هو الفرح المتلبس بالمعاصي التي لا ترضيه تعالى.
وأوضح أن حال المسلمين في عيدهم أنهم في فرحة عيدهم يتقلبون، إلا أنهم محافظون على مبادئ الدين وروح العبادة وأصل التقوى.. ففرحهم ممتزج بالعبادة لا ينفك عنها، وسرورهم في عبادة الله وبارتباطهم بما شرع الله لهم من أركان الإسلام وأوامر العبادة. كما أن العيد له ميزة الظهور البارز في معلمه وصورته، فإن من جملة الأمور التي يطالب الإنسان بها بصورة عامة، إلا أنها يوم العيد تتأكد صورة المطالبة بها والالتزام بأدائها، ومن ذلك: ذكر الله تعالى بالتكبير والتهليل والتسبيح، والجهر بذلك: والذكر بأنواعه أدب رباني يجعل للإنسان في فرحه الأمان والاطمئنان والسكينة والوقار، ويضفي في شخصية العبد نوعا من الأنوار. ثم السعي لصلاة العيد: وفيها يذكر الإنسان ربه، ويستمع للذكر والموعظة، ويتضرع إلى الله بالدعاء.. فتمتزج فرحة العيد بمعاني العبادة والخضوع للرب المعبود.. ويؤدي الإنسان هذه الصلاة مع الناس في اجتماع.. يؤدون الصلاة جميعا فإنّ هذه القلوب تتصافى بهذا اللقاء الطيِّب.. فينعَم الكل بما ينعمون به من البهجة الغامرة فيتواصلون في رباط يشد كل واحد من المسلمين إلى الآخر، فهذه من حِكَم مشروعية العيد: الألفة والمودة للمسلمين: ففي العيد خاصة تتحقق صورة الألفة والائتلاف، ويؤمر أن يكون المسلم مراعيا لهذا الرباط الأخوي بينه وبين إخوانه المسلمين، وفرحة العيد لا تنافي أن يظهر المسلم محبته لأخيه المسلم، في صفاء ومودة. وهذه من الآداب المهمة في الحياة العامة، وتتجسد في الواقع يوم العيد، فمن آداب يوم العيد الصفح والتسامح، وإنهاء كل ما يكون من قطيعة، والقضاء على مسببات الخصومة والجفاء.
فالمسلم سمح مسامح متسامح، ومما يساعد على ذلك: حسن اللقاء والمصافحة وإفشاء السلام، وهي مظاهر بارزة بصورة جلية في يوم العيد. وأيضا إظهار البشاشة والفرحة والاستبشار بالعيد: فيلاقي الواحد منا إخوانه بالبشاشة والسرور والاستبشار، فلئن كان النبي عليه السلام بين لنا أن تبسم المسلم في وجه أخيه صدقة، فكيف بما هو فوق ذلك، وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يلقى أصحابه بمعاني البشاشة والاستبشار، لاسيما في مواسم الفرح والسرور. وكذلك صلة الأرحام والتواصل الذي أمر الله به: ومن الآداب الإسلامية بصفة عامة وآداب الأعياد بصفة خاصة صلة الأرحام وحسن التواصل المأمور به. والتوسعة على الأهل والعيال والضيوف في الإنفاق من غير إسراف ولا تبذير: وهذا من فضائل الأخلاق ومكارم الصفات، بحيث يرى أثر نعمة الله عليه، من غير تقتير ولا تبذير.. فيدخل السرور إلى أهله وعياله ببذله وعطائه، ويكرم ضيفه من منطلق إيمانه بالله واليوم الآخر، ولئن كان هذا حسنا في كل حين، فهو في أيام العيد أفضل وأحسن. وأيضا الحذر من مخالطة الفرحة بمعاصي الله وما لا يرضى عنه سبحانه، ليحذر كل مسلم من هذا الأمر الشائن الذي يذهب بروعة العيد وروحه، ويضيع على المسلم صفاء دينه في فرحة عيده.. فكيف بإنسان يظهر بحسن مظهر في يوم عيده من لباس وهيئة، ثم يدنس شكله بالمخالفات الشرعية ويسيء إلى حاله بارتكاب المعاصي والمحرمات.
من جانبها أكدت انتصار بنت سيف الحراصية موجهة دينية بدائرة الإرشاد النسوي بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية: أن (الأحكام والسنن) في أعيادنا يسيرة سهله، تحمل بين طياتها خير وفضل عظيم وكفى بها فضلا أنها اهتداء واقتداء بسيرة الحبيب المصطفى.. قائلة: إنما خلق الله الناس أمما وشعوبا منها من اهتدى بهدي التوحيد ومنها من حرم ذلك ولكن لا تكاد هذه الأمم وكلها لها مناسكها وطقوسها غير أنها لا تكاد تخلو من أيام تكون أيقونة الفرح والحبور فلها يوم عيد تحتفل فيه، وِتظهر فيه ما يدلل على البهجة والسعادة، وقد ذكر الله سبحانه يوم الزينة في القرآن الكريم وقيل إنه يقصد به يوم العيد الذي كان يجتمع فيه الناس على عهد سيدنا موسى عليه السلام ففي محاورة السحرة قال سبحانه: «فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى»، كما ذكر العيد في حوار سيدنا عيسى مع الحواريين حين سألوه المائدة فقال تعالى واصفا ذلك: « قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين». كما أن العرب في الجاهلية كان لهم عيد كذلك فقد روى أبو داود عن أنس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: «ما هذان اليومان؟» قالوا كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر».
وأشارت إلى أن الأعياد إنما شرعت للتنفيس وإظهار الفرح والسرور واللهو المباح فعن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر – رضي الله عنه – دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى أي أيام عيد الأضحى تضربان بدفين ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى عليه بثوبه فنهرهما فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه فقال دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد وقالت عائشة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد أي في يوم العيد حتى أكون أنا أسأم فأقعد، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو. ويفهم من هذا الحديث أنه يشرع التوسعة على العيال بما يتحصل لهم من بسط النفس وإدخال السرور وترويح البدن.. مبينة أنه سمي العيد عيدا لأنه يوم يتكرر عاما بعد عام فهو مأخوذ من العود أي التكرار فهو يتكرر ويتكرر معه الفرح والسرور. كما أن لا ينفك من أن يكون يوم ذكر وشكر وعبادة. والملاحظ أن الأعياد عندنا تأتي بعد عبادة عظيمة وركنين من أركان الإسلام، فالأول بعد صوم شهر رمضان والثاني بعد حج بيت الله الحرام لذلك نفهم أن الإسلام قرن أيام الفرح هذه بالذكر والشكر وجعل لهذه الأيام أحكاما وآدابا. فينبغي للمسلم أن يتزين ويلبس اللباس الحسن في يوم العيد غير أنه لا يخرج عن حدود الشرع في لباس العيد فلا يكون مما حرم لبسه فلا يلبس الرجل الحرير ولا الذهب ولا تظهر المرأة بثوب زينة تخرج به أمام الأجانب من الرجال أو بثوب شهرة أو بثوب وصاف أو شفاف أو يجد ريحها الرجال الأجانب، فإنه وإن كان يوم عيد وتشرع فيه الزينة إلا أنه ينبغي أن لا تظهر إلا أمام النساء والمحارم من الرجال، فلا يفرح المرء بالعيد ويقابل نعمة الله عليه أن بلغه العيد بعصيانه ومخالفة أوامره. ومن ذلك أيضا الخروج لصلاة العيد وهي سنة أكدها عليه الصلاة والسلام وروي عن ابن عباس قال : شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة. كما أن صلاة العيد من السنن التي ينبغي أن تحرص عليها النساء فقد روي عن أم عطية رضي الله عنها أنها قالت: «أُمرنا» وفي رواية: «أمرنا – تعني النبي صلى الله عليه وسلم – أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين». وفي رواية أخرى: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج الأبكار والعواتق وذوات الخدور والحيض في العيدين فأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن دعوة المسلمين». وهذا مما يجب التنبه له في فضل هذه الصلاة العظيمة إذ ترى كثيرا من النساء غافلات عنه فلا يحرصن على أدائها في حين أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا حتى الحيَض بالخروج إليها. وهنا دعوة لأُولي الأمر من الناس لتهيئة المصليات لتسمح بوجود النساء فيها، امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأوضحت قائلة: إنه يسن في يوم العيد مخالفة الطريق فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق ومعنى مخالفة الطريق أنه يذهب من طريق ويعود من طريق آخر. ومن ذلك أيضا سنة التكبير في يوم العيد لقوله تعالى : «ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم»، والتكبير يبدأ من فجر يوم العيد ويستمر حتى صلاة العيد في عيد الفطر، وفي عيد النحر يبدأ التكبير من دخول العشر وفي يوم عرفة وثم بعد ذلك في يوم العيد وأيام التشريق يكبر أدبار الصلوات. كما يسن في هذا اليوم تهنئة المسلمين بعضهم البعض في يوم العيد لحديث أبي أمامة – رضي الله عنه – أنهم كانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض تقبل الله منا ومنكم. ومن السنن التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم صلة أرحامه بما يتيسر له من زيارة أو اتصال فهو يوم فرح وليس أحق للمرء من مشاركته للفرح من أرحامه ومبادلتهم التهاني والتبريكات فالله سبحانه يقول: «واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام»، ولحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه». وهذا مما ينبغي لفت النظر إليه إذ إن هناك من الناس من لا يجعل مكانا إلا زاره في العيد من أماكن الترفيه غير أنه لا يحرص على لقاء أهله وأرحامه وقد تكون حجته أنهم كذلك لا يصلونه ولا يتعهدونه بالسؤال وهذا جهل كبير يقعون فيه فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها».. والمتأمل لهذه الأحكام والسنن في أعيادنا يجدها يسيرة سهلة، تحمل بين طياتها خيرا وفضلا عظيما وكفى بها فضلا أنها اهتداء واقتداء بسيرة الحبيب المصطفى، وينبغي للمسلم أن لا يفرط في الاقتداء بهديه صلى الله عليه وسلم من شيء بقدر استطاعته.