رأسمالية أم اشتراكية… العالم إلى أين؟

إميل أمين – كاتب مصري –

هل يمكن القول: إن هذا المقال هو الجزء المكمل والمتمم للمقال السابق الخاص بأزمة الاحتباس الحراري؟ تلك التي لا نزال نعيش وقعها الكارثي، سواء أكان ذلك في منطقتنا العربية أو في القارة الأوروبية، والتساؤل على ألسنة الناس: إن كان الصيف على هذا النحو؛ فكيف يمكن أن يكون حال الشتاء؟ في ظل مثل هذه التغيرات التي لم تعرفها البشرية في القرون السابقة، وقد يكون من سوء الطالع أن يضحى الجيل الذي سيعاصر التبعات الكارثية لأزمة تطور المناخ.
ولعل السؤال الذي بين أيدينا: هل من علاقة ما بين الأنساق الاقتصادية من جهة، وتغيرات المناخ على كوكب الأرض من جهة ثانية؟
قبل الجواب ربما ينبغي علينا الإشارة إلى الأزمة التي تعيشها الرأسمالية حول العالم، إذ بات واضحا جدا أن هناك فشلا ذريعا ضرب التيار النيوليبرالي في مقتل، وكان من ارتداداته الأزمة المالية العالمية التي عاشها العالم في العقد الأول من القرن العشرين، أي أزمة انهيار البنوك الأمريكية، أزمة القروض العقارية، التي كشفت عن الوجه القبيح للرأسمالية، أي وجه الجشع والطمع، ذلك أن الأزمة نتجت عن ظاهرة التوريق، بمعنى تقدير العقارات على الورق، أما في الواقع؛ فلم يكن لها نصيب من الحقيقة، ولهذا انهارت البنوك الكبيرة.
عن ماذا يدور الحديث الآن في الأوساط الاقتصادية العالمية؟
إنه يدور عن مخاوف رهيبة سوف تضرب اقتصاد العالم، من جراء تزايد الديون العالمية، ومن غير مقدرة حقيقية على سدادها من قبل الدول والمؤسسات، وبخاصة بعد أن صارت المؤسسات المالية العالمية لعبة في أيدي القوى الكبرى، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية بنوع خاص، وهي من يكاد يأمر وينهي في شأن القروض والائتمانات الممنوحة لبعض أو الممنوعة عن البعض الآخر، وعلى غير المصدق أن ينظر إلى المشهد الأمريكي الروسي، والعقوبات الأخيرة التي أنزلتها واشنطن على موسكو من جراء قضية سكريبال الجاسوس الروسي، حيث منعت البنوك الأمريكية من تقديم أي قروض للروس أو شراء الديون السيادية للدولة الروسية.
هل هناك أزمة داخل التيار الرأسمالي الأمريكي بدأت ملامحها ومعالمها تتضح في الفترة الأخيرة؟
أغلب الظن أن ذلك كذلك قولا وفعلا، وهو ما يتبدى على صعيدين سياسي وفكري، أما عن السياسي؛ فإن أمواج الاشتراكية الأمريكية تعلو من جديد وتكاد تضحى هادرة، والتوقعات الكبيرة بأن شيئا ما يمكن أن تجري به المقادير خلال الانتخابات الرئاسية القادمة 2020، لا سيما أن أطرافا ديمقراطية عديدة أبدت ميولها إلى اليسار، وفي المقدمة من هؤلاء وأولئك يجيء السيناتور الأمريكي الديمقراطي بيرني ساندرز، ذاك الذي يكافح من جديد لكي يخوض معركة انتخابية رئاسية قادمة في مواجهة المد الجمهوري المغرق من دون أدنى شك في يمينيته شديدة القرب بل الوثيقة واللصيقة بكل ما هو رأسمالي.
غير أن المعركة ضد الرأسمالية على الصعيد الفكري قد انطلقت من فترات بعيدة، وعبر العديد من المؤلفات العميقة والرصينة، تلك التي خبرتنا بأبعاد الأزمة الكارثية التي جرتها الرأسمالية على المناخ العالمي.
من تنبه للكارثة قبل الآخر على جانبي الأطلسي، هل فعلها الأمريكيون قبل الأوروبيين أم العكس؟
أغلب الظن أن الأوروبيين هم الذين أطلقوا بوق القرن تجاه العلاقة بين المناخ والنسق الاقتصادي الرأسمالي تحديدا، وفي مقدمة صفوف هؤلاء وأولئك يجيء الكاتب والباحث الفرنسي الشهير (هايرفي كيمف)، وصاحب الكتاب الشهير الأثرياء يدمرون كوكب الأرض.
أحد أهم المؤلفات التي أصدرها (هيرفي) كان ذاك المعنون: «الخروج من الرأسمالية»، وبعنوان فرعي: «من أجل إنقاذ كوكب الأرض»، الذي عربه المركز القومي للترجمة في مصر، وبترجمة وتقديم الدكتور أنور مغيث، الذي بات الآن مدير المركز والمثقف والأكاديمي المصري اللامع.
العنوان يدعونا للتأمل، والربط بين الرأسمالية وبين حالة المناخ، وكيف بات الكون برمته رهينة لحفنة من الرأسماليين السيكوباتيين الذين لا يفكرون إلا في تعظيم أرباحهم يوما تلو الآخر، ومن دون أدنى اهتمام بـ «أمنا الأرض»؟!
في المقدمة التي صدر بها الدكتور مغيث كتابه نجد حديثا مباشرا عن ضرورة الخروج من الرأسمالية إن أردنا إنقاذ الكوكب… كيف ذلك؟
هذا ما تبينه لنا سطور المقدمة؛ فلقد بدأ النظام الرأسمالي الصناعي في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، وكان كارل ماركس من أوائل المنادين بضرورة تجاوزه؛ مبررا ذلك بأنه نظام لا يهدف إلى إشباع الحاجات الإنسانية كما كانت الحال في النظم الاقتصادية السابقة، وإنما يهدف أساسا إلى تحقيق الربح وإعادة استخدامه في تحقيق تراكم مستمر لرأس المال.
كان ماركس يعتقد جازما بأن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى استغلال العمال والإفقار الدائم لهم، وهذا سوف يخلق تناقضا جذريا بين العمال والرأسماليين، وسوف يؤدي في النهاية إلى انهيار الرأسمالية؛ بسبب نضال العمال المتواصل لانتزاع حقوقهم.
هل صدق ماركس في رؤاه وتنبؤاته؟
من دون أن نتهم بدعم الفكر الماركسي، فإن الكثير جدا من تلك التوقعات قد جرت بها المقادير بالفعل، وربما لا ننسى ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية تحديدا منذ بضع سنوات، حين طفت على السطح حركات ذات ملمح وملمس اشتراكي، استطاعت أن تحشد الكثير من الأشخاص والجهود، وفي مقدمتها حركة «احتلوا وول ستريت».
كان العنوان في حد ذاته مثيرا ومدعاة للتأمل، ذلك أن (وول ستريت) هي قبلة اللوبي المالي الأمريكي الذي يدير مفاصل تلك الدولة الامبراطورية إدارة تمتص جهود العمال الكادحين، وباتت هي محل السوق الورقي للأموال، ذلك النسق الذي تسبب في كثير من الانهيارات للأسواق المالية العالمية، والمخالف لفكرة السوق القائم على الذهب والمعادن النفيسة، ذات القيم المضافة في الحال والاستقبال، والخلاصة أنها كانت حركة الهدف منها إظهار وهن الرأسمالية.
حاولت الرأسمالية أن تخفف من حدة التناقض الذي أشار إليه كارل ماركس عن طريق رفع مستوى دخول العمال عن طريق النهب الاستعماري لشعوب الجنوب، وكذلك عبر تدخل الدولة لضمان مستوى معيشة مقبول للعمال في البلاد المتقدمة.
وعلى الرغم من تلك المحاولات؛ فإن واقع الحال أسفر وقتها عن فجوة كبرى بين الجانبين، ولم يفلح أي طرح رأسمالي نيوليبرالي معاصر في معالجة أبعاد الأزمة.
كانت المواجهة الكبرى والتناقض الجذري والحتمي بين الرأسمالية والاشتراكية متمثلا في أزمة الطبيعة والمناخ، وكيف افتأت النظام الرأسمالي عليها؟ لاسيما أن موارد الطبيعة محدودة، وقد حذر عالم الاقتصاد الشهير مالتوس من قبل بأن البشر يتزايدون بمتوالية هندسية، فيما خيرات الطبيعية لا تجاري الأمر، بل إنها في أفضل الأحوال تتقدم بمتوالية عددية.
الثابت أن النظام الرأسمالي، ولكي يستمر في الحياة يسعى دائما إلى الحصول على المزيد من الأرباح، ولكي يتمكن من ذلك؛ فإنه يقوم بتشجيع الاستهلاك الذي يتم إشباعه عن طريق الزيادة في الإنتاج، وهذه الزيادة بدورها تقتضي الزيادة في استنفاد موارد الطبيعة، وهي مخزون غير متجدد لن يكفي على المدى الطويل في تغطية حاجات سكان الكوكب الذين يتزايدون باستمرار، كما يجعل الأجيال المقبلة عرضة لمخاطر كبرى.
أدت العولمة وتبعاتها السيئة بالفعل إلى المزيد من السقطات بالنسبة للأنساق الرأسمالية، وجاءت الأزمة المالية العالمية لتجعل أعداء الرأسمالية يتزايدون، فيما أضحى علماء الاقتصاد مهمومين بل محمومين بالبحث عن طرائق جديدة وصيغ مغايرة لإدارة معادلة الإنتاج والاستهلاك، معادلة تتلافى المخاطر القائمة والقادمة، وتحافظ على التوازن بين الإنسان والبيئة المحيطة به.
ما الذي يتوجب عمله إذن للخروج من دائرة الأزمة الرأسمالية الحالية؟
عند (هيمفري كيمف)، إن التعاون بين الأمم والشعوب هو الحل، ويرى أنه لا ينبغي أن ينمو التعاون فقط بين الأفراد والمجموعات داخل المجتمع ولكن على المستوى الدولي، وللأمم أن تختار بين التعاون والتنافس، ولا توجد حجة تنادي بصور أكيدة لصالح مسلك دون الآخر.
يرى (هيرفي) أن التنافس نمط شائع يؤدي بشكل مألوف إلى الحرب، ولكن الأزمة البيئية تدعو إلى تغيير في اللعبة التقليدية للتنافس بين الأمم؛ لأنه لن يكون هناك رابح أو خاسر في عدم التوازن في تنظيم المجال الحيوي.
كما يلفت إلى أن الصراع الرأسمالي على ثروات الأرض لا بد له أن يقنن بطريقة أو بأخرى، فحتى وإن كان بترول القارة القطبية الشمالية يستنفر أحلام من يسميهم الطغمة الروسية والكندية؛ ففي أحسن الأحوال لن تكون الخسائر متكافئة، وعلى الأمم إذن من الناحية المنطقية أن تتعاون، ولكن أثر الأزمة البيئية سوف يكون أكثر وطأة على بلاد الجنوب، والبلاد الغنية يمكنها أن تحاول التكيف وحدها، ما يعني أن للحرب والسلام فرصا متكافئة.
أضحت الرأسمالية إذن خطرا داهما على الإنسانية عبر ثلاثة محاور:
** المحور الأول: من خلال تعاظم المخاطر البيئية الناتجة عن الاستهلاك المفرط للطاقة وموارد الطبيعة، وعلى من يود التأكد من هذا البعد أن يتوقف أمام شركات الكربون وجماعة الضغط الخاصة بها في الداخل الأمريكي، تلك التي لا يعنيها أي شيء سوى مصالحها المالية وتعظيم أرباحها، وليذهب المناخ العالمي ما شاء له أن يذهب.
** المحور الثاني: المخاطر الاجتماعية الناتجة عن تحفيز الاستهلاك الترفي ودخول منطق الربح إلى مناطق تتعلق بالعواطف والإنجاب والعلاقات الأسرية، والمعنى هنا موصول بأنماط الحياة، والثورات الاجتماعية التي تتولد من جراء الفوارق الطبقية غير الطبيعية التي تنشأ بين مختلف فئات الشعوب، لاسيما بين أهالي الشمال والجنوب.
** المحور الثالث: مخاطر سياسية تتهدد الديمقراطية وحرية اختيار الناس للحياة التي يريدونها، ومن هنا يتم تحقيق المثل الرأسمالي المؤلم: «من يدفع للزمار يحدد اللحن».
أسوأ شيء في الرأسمالية الآنية هي أنها سلعت الإنسان؛ أي: أنها جعلت منه سلعة قابلة للبيع والشراء، وفرغته من مضمونه الإنساني، ودخلت به إلى منطق «التشيؤ» أي أن يضحى شيئا وليس خليفة الله في الأرض، ما جعله غريبا يبحث من جديد عن نسق اقتصادي وسياسي مغاير.
هل هي عودة للاشتراكية ؟… إلى قراءة قادمة بإذن الله.