نوافذ :عالم بريء..

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
يندر منا من لم يعش مشاهدة مباشرة لكثير من عروض الحيوانات: المفترسة؛ والأليفة؛ والطيور بأنواعها، سواء أكانت هذه العروض عبر مسارح «السيرك العالمي» كما يطلق عليه، أو عبر المسارح الموجود في الحدائق العامة في كثير من الدول، أو في منصات العروض بالمحلات التجارية الكبيرة كـ«المولات» حيث تجرد هذه الحيوانات والطيور من خصوصياتها، وتنتزع منها سلوكياتها الفطرية، وتغتال براءتها، فهي في النهاية كائن حي غير عاقل، لا يدري ما يفعل به، حينها، أما عند الطرف الآخر؛ وهو الإنسان فإن المسألة تأخذ أبعادا مختلفة: اقتصادية بالأساس، ومن ثم تتناسل بقية الأبعاد: الترفيه، والتسلية، والثقافة، والفن، وهنا يسقط عنوان واحد فقط، وهو العنوان السياسي.
فعلى ماذا اعتمد هذا الإنسان في ترويض هذه الكائنات «البريئة» كلها حتى جردها من كل خصوصياتها، وسلوكياتها الفطرية، وأسقطها في خانة الترويض الـ«قاتلة» وأصفها بذلك؛ لأنه في الوقت الذي تغتال فيه براءة هذه الحيوانات على هيبتها، وقوتها، وصلافتها، وتجريدها بالإطلاق من المشاعر، في الوقت نفسه تبقى هي مجرد «لعبة» للتسلية، والتندر، والضحك عليها بما تقدمه من مشاهد لهذا الإنسان «المتسلط»، حيث نجدها مع كل حركة والتفاتة، تسمع الصفير، والتصفيق، وربما إعلاء صوت الموسيقى الصاخبة، وفي المقابل هي إما أن تكون راقصة، ومتمايلة، وإما أنها تؤدي أدوارا «بهلوانية» تفوق قدرة البشر لدى بعضها، كالدلفين التي تقفز أمتارا في الأفق لتضرب كرة بزعنفة ذيلها، أو تلتقط كرة، وهناك الكثير من المشاهد المضحكة والفكاهية التي تقوم بها هذه الحيوانات «استغفال» منها، لأنها في كل هذه الممارسات التي تقوم بها، لا تعي ماذا هي فاعلة، وفي كل هذه السلوكيات المروضة تمتهن في غريزتها، فمع كل حركة، وسلوك تقوم بها هناك المروض الذي يلبي عندها غريزة الجوع، وكأنه يقول لها: إذا أردت أن تأكلي عليك أن تقومين بهذا الدور، وإلا من يجرؤ أن يقابل أسدا، أو نمرا، أو فيلا ليأمره كما يأمر طفلا صغيرا لا حول له ولا قوة، إلا من خلال مساومته بين أن يقوم بهذا السلوك، أو لا يحصل على الغذاء، الذي يعطى له بتقتير ممل، مع كل حركة.
إن هذا الإنسان الذي وهبه الله تعالى العقل المفكر، والحكمة السامية، لم يسعه محيطه البشري، لكي يمارس كل غواياته على بني جنسه، لأنه يقابل بجدر سميكة ليس من اليسير اختراقها، ولذلك حول نشاطه إلى محيط آخر، محيط الحيوانات بأنواعها، وبجبروتها، بصلافتها، وبقوتها، واستطاع ترويضها من خلال ضربها عبر مقتلها الحساس، وهو اللعب بالغريزة، وأقربها مودة غريزة الطعام، حيث أوجد لها الطعام بكل سهولة ويسر، دون أن تعيش تلك المعارك القوية والمخيفة في بيئتها الحيوانية، فقط اشترط عليها أن تنفذ أوامره، ولا تعصيه.
لا شك أن الإنسان بإقدامه بهذه الخطوة استطاع أن يجد له مصدر رزق، فكمية النقود التي تنهال عليه من المنبهرين بمشاهد هذه الحيوانات على اختلافها وأطباعها وأنواعها، وهؤلاء المنبهرون لا يهمهم كم سيدفعون من مال، مقابل ما يعيشون هذه الدهشة، ويجلون في الوقت نفسه هذا الإنسان الذي استطاع بمكره وحيله، ومخادعاته، أن يروض هذه الكائنات كلها، ويجعلها تخر راكعة ساجدة له في موقف أقل أن يوصف بأنه اغتيال لعالم بريء لا يعي ما يفعل وما يذر.
لقدر سخر الله سبحانه وتعالى بعض الحيوانات، لخدمة الإنسان في مشاريع مختلفة وهي كثيرة، وجعلها مستسلمة مطيعة دون ترويض يذكر من هذا الإنسان، ولكن الإنسان، وبما عرف عنه خروجه عن النص؛ كما يقال؛ تجاوز المسوح له، لإرواء غرائزه الخاصة الأخرى، وهذا بقدر ما يحسب له، فهو معاتب عليه أيضا لأن فيه استغلال واستغفال في آن واحد.