خطبة الجمعة: الميزان عند الله ليس بالأغنى ولا بالأقوى وإنما بالتقوى

الوزن عند الله هو العدل الحق الذي لا يتبدل –
رحم الله المخلصين الذين يجاهدون لنشر الخير وإعانة الغير ورفع المحن وبناء الوطن –

تؤكد خطبة الجمعة لهذا اليوم أن مما يرفع منزلتنا عند ربنا، ويجعل الفرد منا وجيها عند خالقه، أن يكون له سر حسن بينه وبين ربه، أن تكون له خبيئة من عمل صالح، مبينة أن موازين البشر سطحية مؤقتة متقلبة، والوزن عند الله هو العدل الحق الذي لا يتبدل، وأن الميزان عند الله ليس بالأغنى ولا بالأقوى، وإنما بالتقوى.. وهنا نص الخطب التي جاءت تحت عنوان: «وكان عند الله عظيما».

الحمد لله الذي تفرد بعظيم القدرة والإرادة، وله وحده الإخلاص والعبادة، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، يعـلم صدق المخلصين، وجهد المجـتهدين، فلا يضيع لعامل أجرا، ونشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، ذو المقام المحمود، والحوض المورود، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الميامين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإني أوصيكم ونفسي – أيها المؤمنون – بتقوى الله تعالى، فثم مفتاح الفلاح، وسبيل النجاح، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ).

إخوة الإيمان:

كم من منكور في الأرض معروف في السماء، وكم من مجهول مغمور بين الناس، هو ذو منزلة علية عند رب الناس، فما ضرهم أن لا يعرفهم الناس ورب الناس يعرفهم، يعرف صبرهم واحـتسابهم، وجهدهم واجتهادهم، جاء في حديث عن نبيكم صلى الله عليه وسلم – حسبما روي عنه – قوله: ((رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره)). إن آلافا مؤلفة من عباد الله الذين أعـلوا عبر العصور للإسلام رايته، وبنوا له حضارته، وانطلقوا في الأرض ينشرون النور، ويبنون الأوطان، بل هناك رسل كرام لله جاهدوا وبذلوا، نصحوا ووجهوا، ضحوا وأنفقوا، لكننا لا نعرفهم، يقول صلى الله عليه وسلم مخاطبا نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا).
أيها المؤمنون:
روي في حديث عن نبيكم صلى الله عليه وسلم أن رجلا مر على النبي الكريم ومعه بعض أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما تقولون في هذا؟ فقالوا: هذا حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع. ثم مر رجل من فقراء المسلمين، فسأل رسول الله: ما تقولون في هذا؟ قالوا: هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا)). إن موازين البشر – أيها المؤمنون – سطحية مؤقتة متقلبة، والوزن عند الله هو العدل الحق الذي لا يتبدل، إن الميزان عند الله ليس بالأغنى ولا بالأقوى، وإنما الميزان عند الله بالتقوى، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، وليست الرفعة عند الله بالأعظم جاها والأكرم نسبا، بل لمن سلك للجنة سببا، (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). إنك لتكون عظيما – أخي في الله – لا يلزم أن تكون بين الناس مشهورا؛ لا يلزم أن يردد الناس اسمك، ويسـتبـشروا بمقدمك، ويرفعوا شأنك، إنما العظمة أن يرى الله لك قدرا، وتحقق لك عنده ذكرا، وتكون عنده لك منزلة ووجاهة، كما قال سبحانه وتعالى واصفا نبيه صلى الله عليه وسلم وعبده موسى: (وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا). فرحم الله أولئك الجنود المجهولين الذين أخلصوا لله سعيهم، وصدقوا فيه اجـتهادهم، ورحم الله أولئك المخلصين الذين يجاهدون لنشر الخير، وإعانة الغير، ورفع المحن، وبناء الوطن؛ ولم تكن غايتهم أن تلمع أسماؤهم في الأندية والميادين، أو تنشر أخبارهم وصورهم في العالمين، أو أن يكونوا ضمن المشاهير، وتصفق لهم الجماهير.
أيها المسلمون:
إن الخلق يتمايزون عند الله بالإيمان، وتتفاوت مكانتهم عنده بالعمل الصالح، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، هذا الرجل المؤمن – عباد الله – ما اسمه؟ وما مكانته ونسبه؟ ما صفته وشكله؟ هل هو من أهـل الغنى والمال، أم هل هو فقير ضعيف الحال؟ هل هو شيخ مسن أو هو شاب فتي؟ قد سكت الله صلى الله عليه وسلم عن كل تلك الصفات، ولم يخبرنا عن هذا الرجل إلا أنه رجل مؤمن، وأنه اجتهد وبذل وضحى وقدم، فذلك مقياس الرفعة، وثم ميزان العظمة. ويخبرنا الله صلى الله عليه وسلم عن رجل آخر له موقف مع نبي الله موسى فيقول: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ)، هذا الرجل المؤمن – عباد الله – ما اسمه؟ وما مكانته ونسبه؟ ما صفته وشكله؟ هل ه من أهل الغنى والمال، أم هل هو فقير ضعيف الحال؟ هل هو شيخ مسن أو هو شاب فتى؟ قد سكت الله سبحانه وتعالى عن كل تلك الصفات، ولم يخبرنا عن هذا الرجل إلا انه رجل مؤمن، وانه اجتهد وبذل وضحّى وقدّم، فذلك مقياس الرفعة وثم ميزان العظمة، ويخبرنا سبحانه عن رجل آخر له موقف مع نبي الله موسى فيقول: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)، إنه رجل مجهولة عندنا صفاته وأحواله، ولا يعرف إلا بهذا السعي الكريم، والعمل المشرف الذي خلد الله ذكره. ومثل ذلك حال صاحب آل ياسين إذ يقول الله الله صلى الله عليه وسلم عنه: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ)، إن منزلتنا عند الله قائمة على أساس الإيمان، ومبنية على قدر ما يقدم الشخص منا لنفسه من عمل صالح، وعلى قدر ما يبذل لأجـل دينه وبناء وطنه، وكل ذلك بأيدينا تحـقيقه، وبوسعنا نيله.
فاتقوا الله – إخوة الإيمان – حق التقوى، واسعوا إلى الله دون كسل، واعملوا من غير ملل، (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، (وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.


الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحـبه ومن والاه.
أما بعد، فاعلموا – عباد الله – أن مما يرفع منزلتنا عند ربنا، ويجعل الفرد منا وجيها عند خالقه، أن يكون له سر حسن بينه وبين ربه، أن تكون له خبيئة من عمل صالح. وإن شئتم فاقرؤوا (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)، وحسبما روي في الحديث عن نبيكم صلى الله عليه وسلم قوله: ((من اسـتطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل)). يروى أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خرج في سواد الليـل، فرآه طلحة، فذهب عمر، فدخل، ثم دخل بيـتا آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت فإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع! هكذا هو سبيل الصادقين، يأتون بأعمال عظام، لا يعلم بها الأنام، خالصة للملك العلام. لذا كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعـلم شماله ما تنفق يمينه))، فأخلصوا لله قصدكم – أيها المؤمنون -، واجعلوا فيه سعيكم، فمن اجـتهد وفقه خالقه، وهداه لصلاح دنياه والفوز في أخراه، يقول ذو الجلال والإكرام: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). واعلموا أن تحـقق رضا الناس عن أحدكم هو غاية لا تدرك، وأن الفوز برضا الله غاية لا تترك، فاتركوا ما لا يدرك، وأدركوا ما لا يترك (الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ).
هذا وصلوا وسلموا على رسول الله الأمين، فقد أمركم بذلك حين قال: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين، وعنا هذا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.
اللهم أعز الإسلام واهد المسلمين إلى الحق، وأجمع كلمتهم على الخير، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين. اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.
اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز سلطاننا وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليه نعمتك، وأيده بنور حكمتك، وسدده بتوفيقك، واحفظه بعين رعايتك.
اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اغفر لكل من آمن بك، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.