تربية على الخلق الحميد والمعاني الكريمة

د. صالح بن سعيد الحوسني –

قص لنا المولى الكريم في كتابه ما كان من شأن إبراهيم الخليل عليه السلام حين أمره ربه أن يأخذ زوجه وابنه إلى مكة المكرمة والتي كانت حينها أرضا يبابا لا شجر فيها ولا زرع، بل لا يوجد بها أناس أو عمران؛ ولذا رفع خليل الرحمن أكف الضراعة إلى الله تعالى أن يكلأهم برعايته وعنايته وأن يجعل من هذا المكان مهوى للأفئدة والقلوب تنزع إليه وتحن وترغب نحوه، ولم يكتف بذلك بل سأل ربه الكريم أن يرزقهم من أنواع الثمار المختلفة؛ والتي لا يكون الواجب نحوها سوى الشكر والثناء والحمد للمنعم العظيم على ما أسدى وأنعم فكل فضل منه وكل نعمة من طرفه؛ قال تعالى: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون..)، وتصف لنا كتب السنة النبوية ما كان من شأن سيدنا إبراهيم حين ترك زوجه هاجر وابنه إسماعيل ولا أحد هناك بل ولا ماء ولا شجر في مكان قاحل قفر في مكان صعب التضاريس ويقفل راجعا، وهي تُلح بسؤاله عن ذلك وحينها تستدرك الحال وتقول لزوجها وهو يودعهم «هل أمرك الله بهذا» فيقول: نعم، حينها انطلقت كلمات التسليم من فم تلك المرأة المؤمنة فتقول: «إذن لا يضيعنا»، نعم لا يضّيع من كان في كنف الله ورعايته وعنايته وتسديده.
وهكذا وبوصول سيدنا إسماعيل وأمه عليهما السلام تدب الحياة في تلك البقعة المشرفة وتتغير معالمها ويتبدل حالها، فتنبع عين زمزم المباركة؛ والماء أساس الحياة خاصة في الأماكن القاحلة، ويتحقق ما كان من دعاء إبراهيم عليه السلام، ويقوم سيدنا إبراهيم بمعية ولده إسماعيل برفع أسس البيت العتيق، وهما في تبتل وخضوع وابتهال أن يتقبل الله منهما صالح العمل، إذ من شأن المخلصين أن يحرصوا على ما يكون فيه دلالة على قبول عملهم، فكان هذا دأبهم مع عظيم ذلك الفعل الذي يقومان به، قال تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)، فقد كان مكان البيت غير معروف فأعلمه الله به كما ذكر ذلك في القرآن الكريم: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود)، وبعد رفع قواعد البيت يؤمر سيدنا إبراهيم بأن يؤذن في الناس للحج ليفدوا إلى رب هذا البيت ليذكروا ربهم ويسألوه حاجاتهم فقال تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)، وقد جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام بعدما أمره ربه أن يؤذن في الناس بالحج قال مستفهما ومتعجبا: «وما يبلغ صوتي» فقال له ربه عليك النداء وعلينا البلاغ، فأسمع الله نداءه حتى ما كان في أصلاب الرجال، وعهد الله لإبراهيم الخليل وابنه أن يطهرا هذا البيت الحرام من كل أشكال الدنس والرجس للمتعبدين فيه بالطواف أو المعتكفين أو المصلين قال تعالى: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل إن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود)، فحصل لهذا البيت ومن حوله من صنوف الطهارة والرزق ما لم يكن لغيرها، وجعل الله تذكارا لهذا العمل الجليل الذي قام به خليل الرحمن وابنه إسماعيل عليهما السلام بأن أمرنا أن نتخذ من ذلك المكان الذي وقف فيه إبراهيم لبناء البيت مكان للصلاة فقال تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى).
وهكذا أخذ الناس منذ ذالكم العهد وإلى يوم الناس هذا بل وإلى يوم القيامة يقصدون هذا المكان الطاهر رغبة فيما عند رب البيت من نوال وخير وتيسير وإحسان، قال تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، وكان حج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر بعثته إيذانا بعهد الإسلام العظيم الذي محا كل مظاهر الشرك والوثنية مما كان قبل الإسلام، وكانت فريضة الحج من أركان الإسلام التي لا بد من الإتيان بها مع توفر شروطها كما قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)، وقال تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله)، وقال عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس، وذكر منها وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا».
والحج إلى بيت الله الحرام فيه الكثير من المقاصد والأهداف السامية الكريمة، ومن أبرزها؛ أن الحج فرصة للتوبة والإنابة والرجوع إلى الله تعالى: فالله جل وعلا يحض عباده على التوبة النصوح والتي يجد فيها الإنسان راحة وسكونا واطمئنانا بخلاف الإعراض عن هديه الذي لا يجني من ورائه سوى التعب والإرهاق والكدر قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى)، فعندما تطأ رجل التائب حرم الله الآمن يتذكر ذنوبه الكبيرة والصغيرة ويتذكر عفو الرب الكريم الذي هو أعظم وهو الذي لا تنقضي خزائنه فيرغب فيما عند الله تعالى ويلقي بأحماله وأثقاله التي أرهقته أمام رب البيت فيجد ربا غفورا رحيما كريما.
والحج ترميم وإصلاح للعلاقات مع الآخرين: فعندما يعزم الحاج على الرحيل إلى تلك البقاع المقدسة لا بد له من تهيئة واستعداد فعندها يستعرض مظالمه وأخطاءه السابقة فيحاول معالجة ما يستطيع منها، فمن أخطأ في حقه بادر إلى استرضائه ومن نال من ماله أسرع إلى إرجاعه لصاحبه، ومن قصر في التواصل معه كر لوصله وترميم علاقته معه، وهكذا الراغب في الحج يفيض أنسا وسعادة عند من حوله بها ترقق المشاعر وتُذهب الأحقاد ويحصل الخير للجميع.
الحج تربية على الخلق الحميد والمعاني والخلال الكريمة: وهكذا حينما يركب القاصد لحج بيت الله الحرام فإنه قد أخذ ما يحتاجه من متاع ومال وتزود فكأنه قد رحل من هذه الحياة ويكون حينها زاد التقوى هو خير الزاد كما قال تعالى: (وتزودا فإن خير الزاد التقوى)، ولا يخلو حال المسافر من أحوال وظروف لا تحصل له وهو مستقر في وطنه، فقد يواجه صعوبات وأحوال لم يتهيأ لها فعندها يتعلم كيف يواجهها ويتعامل معها، فقد لا يناسبه ما يقدم له من طعام فيتكيف مع غيره، وقد يبتلى بمن لا خلاق لهم من الناس فيتعلم الاحتمال وسعة الصدر متذكرا قوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، وقد يواجه زحاما شديدا لم يألفه في حياته، وهكذا تتغير الأحوال والظروف فيتعامل معها بما يناسبها، وفي كل ذلك تعليم وتجربة وخبرة يجد ثمارها وخيرها في حياته فيما بعد.
كما ان الحج تدريب على ضبط النفس ورقي المشاعر: وهو ما نجده بوضوح تام في تلك المحظورات التي يمنع منها المحرم، فهو يمنع من قص الأظافر ونتف الشعر وإلقاء التفث، ونحوها وهو ما يشبه ما لو دُعي أحدهم إلى لقاء ملك من ملوك الدنيا فإنه يوجه إلى أصول اللياقة في الجلوس والحديث مع هذا الملك بطريقة بعيدة عن العبث والتحكم الكامل في النفس فلا يعبث بشعره أو أظافره ونحو ذلك فيورث ذلك قدرة وتمكنا من استجماع القدرة الكبيرة في توجيه هذه النفس حسب الطريقة السوء التي قد فاز من طهرها وعودها الخير، وخسر من تركها وما تهوى، قال تعالى: (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها).
والحج أمن واطمئنان: فهو في أشهر الحج المباركة التي هي من الأشهر الحرم، وهي في بيت الله الحرام الذي حرم الله القتال فيه، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا)، وحذر تعالى من الظلم فيه أيما تحذير فقال: (إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم)، وهكذا يأتي الحجيج من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام قلائل ذابت بنهم الفوارق والعصبيات والمذهبيات الضيقة تجردوا من زخرف الدنيا الفانية فتشابهت ثيابهم وقلوبهم ولا تكاد تعرف هذا من ذاك، يؤدون نسكا موحدا في وقت واحد كل منهم يطمع فيما عند الله تعالى من ثواب، تاقت نفوسهم لما أعده الله لهم من جزيل الثواب والعطاء كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».