النظافة – عنوان الأمم المتقدمة

علي بن سعيد العلياني –

النظافة ترفع أقواما اهتموا بها فتعطيهم ما يلزمهم من آمال واستقرار نفس وتزودهم بالصحة والعافية وتمدهم بالطاقة اللازمة لإزالة كل عناء ومكابدة الهم والضيق والكدر وتخفض آخرين لم يلتفتوا إليها بل انصرفوا عنها إلى جهة مغايرة وولوا وجوههم إلى قبلة قوامها أوساخ متراكمة وأوبئة متزايدة وانشغال بالعلاج والبحث عن الدواء واستغراق في الهم والضيق من هنا كانت النظافة منهج حياة وعكسها منهج موت بطيء.
النظافة حسابات الربح والخسارة والنجاح والفشل فهي عند العاقل الواعي المدرك ربح وأيما ربح فهي ربح عظيم لأنها تبعد الشخص عن الخطر وتوفر له العيش الهانئ الرغيد وتكون النظافة خسارة في تصور غير المدرك للمخاطر التي تنتظره فهو لا يعي أنه يمشي نحو الهاوية من حيث لا يدري، والنظافة نجاح لمن أدمن صعود القمم ولمن أدرك أن لكل بناء أساس يكون به قويا صامدا لا يتزعزع ومعلوم أن أساس بناء الحضارات القوية هو الاعتناء بالنظافة، وهي فشل لمن تبادر إلى ذهنه أن الإنفاق على النظافة هو عبث وتبذير ولمن هداه تفكيره القاصر أن يكون عن التضحية والعطاء في جانب النظافة.
والنظافة ترتقي بالعقول الراقية وتترسخ بالوعي والفكر المستنير فهي نتاج ثقافة وعلم وإدراك وبالتالي فإن العقول الواعية المدركة تتبنى النظافة كأسلوب للحياة الراقية دون تردد أو حسابات ربح أو خسارة وهذه العقول التي هداها التفكير الصحيح إلى هذا الاستنتاج الجميل لابد أنها بنت موقفها المشرف على أن الفطرة السليمة هي التي تبعث على حب الجمال والنقاء والصفاء وتكره الكدر والمناظر غير المريحة للعين والنفس.
النظافة مصدر فخر واعتزاز وإبهار للعيون فكل بيئة نظيفة خالية من الشوائب والمشوهات والروائح غير الطيبة لابد أن تبعث على الثقة في النفس أمام الآخرين بل وتؤدي إلى الشعور بالرضى والسعادة وفوق ذلك تستمع إلى الإشادات من هنا وهناك واليوم تؤمن السمعة الطيبة لأي بلد نظيف مصدرا مهما من دخل السياحة ومزيدا من وفود الزائرين الذين تهفو نفوسهم إلى الاستمتاع بجو هادئ صاف خال من المنغصات والمناظر غير الطيبة.
والنظافة سلوك يصبح مع الممارسة اليومية سجية لا يرتضي الشخص عنها سبيلا فلقد ألفت نفسه هذا النمط الجميل الراقي من الحياة وأحس بالراحة تملأ قلبه وتغطي جوانحه لذلك يستمر عطاءه في هذا الجانب طوال حياته بل وتجده على الجانب الآخر يمقت النمط المغاير وهو إهمال النظافة ولا أدل على ذلك من حياة العسكريين فهم يألفون الانضباط فيخرجون إلى الجو العام بنفس الانضباط في المواعيد سواء مواعيد الاستيقاظ والنوم أو مواعيد العمل أو الانضباط التام في مواعيده مع الآخرين من هنا كانت النظافة سلوكا يعتمد على ممارسته من خلال تغيير القناعات السلبية تجاهه.
النظافة وبلا شك أو تردد توحي لك بداهة أن من تراه أمامك ملتزم بالنظافة الخاصة والعامة أنه إنسان راق متحضر يستحق كل التقدير والاحترام وأن هذه الشخصية شخصية فذة لأنها استطاعت أن تصل إلى الحقيقة التي تعبر بالجميع إلى ساحات التقدم والتحضر والعطاء.
والنظافة تظهر لك حقيقة الشخص سواء أكان هذا الشخص يتعامل مع موضوع النظافة سلبا أو إيجابا فالشخص السلبي في هذا المجال تظهر عليه العلامات التي تستفز النفس السوية فهذا هو المصطفى عليه السلام عندما رأى رجلا عليه ثياب متسخة انتفض قائلا أما وجد هذا ما يغسل به ثوبه، وأيضا عندما رأى آخر شعره متفرقا قال عليه الصلاة والسلام أما وجد هذا ما يسكن به شعره، أما الشخص الإيجابي تجد النفوس تستأنس لوجوده وتفرح بقربه ولا تمل من صحبته فالأناقة وجمال الهندام مما يشعر النفس بالارتياح وهذه المعطيات تدلنا على أن التعاسة كل التعاسة في إهمال النظافة والسعادة كل السعادة في الاهتمام بالنظافة.