دمشق ترفض اتفاق «المنطقة الآمنة» الأمريكي – التركي والأكراد حذرون

الأمم المتحدة: انهيار وقف إطلاق النار بشمال غرب سوريا يهدد حياة الملايين –
دمشق – عمان – بسام جميدة – وكالات:-

أبدت دمشق امس رفضها «القاطع» للاتفاق الأمريكي-التركي الرامي إلى العمل على إنشاء «منطقة آمنة» في شمال سوريا، محمّلة الأكراد الذين أبدوا حذراً في مقاربته بانتظار المزيد من التفاصيل، مسؤولية ذلك.
وبعد ثلاثة أيام من المحادثات المكثفة لتفادي هجوم تركي جديد ضد أكراد سوريا، أعلنت واشنطن وأنقرة امس الاول الاتفاق على إنشاء مركز عمليات مشترك «لتنسيق وإدارة منطقة آمنة» في مناطق سيطرة الأكراد قرب الحدود التركية.
وبدا الاتفاق وكأنه محاولات جديدة لكسب الوقت إذ لم يتضمن أي تفاصيل معلنة حول حجم تلك المنطقة الآمنة أو موعد بدء إنشائها أو كيفية إدارتها، بل اكتفى بالإشارة إلى أنها ستكون «ممراً أمناً» مع التأكيد على ضرورة عودة اللاجئين السوريين في تركيا.
وغداة إعلان الاتفاق، سارعت دمشق، التي تأخذ على الأكراد تحالفهم مع واشنطن، إلى رفضه.
وأكد مصدر في وزارة الخارجية السورية، وفق ما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، «رفض سوريا القاطع والمطلق للاتفاق الذي أعلن عنه الاحتلالان الأمريكي والتركي حوال إنشاء ما يسمى بالمنطقة الآمنة».
وحمّل المصدر الأكراد مسؤولية الاتفاق نتيجة تحالفهم مع الأمريكيين، وقال إن «بعض الأطراف السورية من المواطنين الأكراد التي فقدت البصر والبصيرة وارتضت لنفسها أن تكون الأداة والذريعة لهذا المشروع العدواني الأمريكي-التركي تتحمّل مسؤولية تاريخية في هذا الوضع الناشئ».
ومع توسّع دور الأكراد في سوريا وإنشائهم إدارة ذاتية في شمال سوريا وشمال شرقها، زادت خشية تركيا من أن يقيموا حكماً ذاتياً قرب حدودها.
ولمواجهة توسّع الأكراد، شنّت أنقرة منذ 2016 عمليتين عسكريتين في سوريا، وتمكنت في عام 2018، من السيطرة مع فصائل سورية موالية لها على منطقة عفرين، ثالث أقاليم الإدارة الذاتية الكردية.
ومنذ ذاك الحين، لم تهدأ تهديدات أنقرة بشنّ هجوم جديد على مناطق الأكراد في شمال وشمال شرق سوريا، والتي يطلق عليها تسمية «شرق الفرات»، وينتشر فيها المئات من أفراد القوات الأمريكية الداعمة للأكراد.
وتعليقاً على الاتفاق، قال القيادي الكردي البارز وأحد مهندسي الإدارة الذاتية ألدار خليل لفرانس برس «قد يكون هذا الاتفاق بداية أسلوب جديد، لكن نحتاج لمعرفة التفاصيل وسنقوم بتقييم الأمر حسب المعطيات والتفاصيل وليس اعتماداً على العنوان»، وأضاف خليل «في جميع الأحوال لا يزال (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان مصرّاً على إنهاء وجودنا».
من جهته، اعتبر وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو في مؤتمر صحفي في أنقرة أنّ الاتفاق «خطوة جيدة جداً»، محذّراً في الوقت ذاته من أنّ بلاده «لن تسمح» بأن يتحوّل إلى محاولة لكسب الوقت، وقال «يجب أن يدخل الاتفاق حيّز التنفيذ».
وخلال أشهر، سعت واشنطن إلى التوصل إلى حلّ بين حليفيها، تركيا شريكتها في حلف شمال الأطلسي من جهة، والأكراد الذين هزموا تنظيم داعش بدعم منها.
واقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهاية العام الماضي إنشاء منطقة أمنة، لكن رؤية الأطراف لتلك المنطقة الأمنة تختلف تماماً إن كان من حيث حجمها أو كيفية إدارتها.
وقدّمت الولايات المتحدة اقتراحات عدة، إلا أن أنقرة لم توافق على أي منها، واعتبرت أن ما تقوم به واشنطن هو مجرد محاولات لـ«كسب الوقت».
وتطمح أنقرة إلى إنشاء منطقة آمنة بعرض أكثر من 30 كيلومتراً على طول حدودها داخل سوريا، على أن تسيطر عليها بالكامل وتنسحب منها وحدات حماية الشعب الكردية، التي تصنّفها منظمة «إرهابية».
ويرى مراقبون أن أحد أهداف أنقرة تكمن في محاولتها وضع يدها على مناطق جديدة في سوريا تعيد إليها اللاجئين السوريين لديها، وهي التي تستضيف 3,6 مليون منهم.
ومن هنا كان البند المتعلق بالتأكيد على ضرورة عودة اللاجئين، اكثر ما لفت الكثير من المراقبين في الاتفاق الأخير.
ويرى مراقبون أن وجود اللاجئين لعب دوراً في خسارة حزب الرئيس رجب طيب اردوغان الحاكم في الانتخابات البلدية الأخيرة، ما جعله تحت ضغوط سياسية داخلية عدة يسعى لتجاوزها. وقد ظهرت مؤخراً مؤشرات عداء متزايد ضد اللاجئين السوريين في تركيا.
أما الأكراد فأكدوا أنهم أبدوا «مرونة» تجاه إنشاء المنطقة الأمنة بموافقتهم على أن تكون بحدود خمسة كيلومترات، لكن تركيا رفضت الطرح كونها «تريد السيطرة على المنطقة وحدها»، وفق خليل. ويرفض الأكراد أي وجود تركي في مناطقهم، بل كانوا طالبوا بنشر مراقبين دوليين.
وفي إطار مساعيهم السياسية، حاول الأكراد فتح قنوات اتصال مجدداً مع دمشق، التي تحملهم اليوم مسؤولية اتفاق «المنطقة الآمنة».
وقال خليل الإثنين لفرانس برس «طرحنا على دمشق التفاوض على صيغة معيّنة لإدارة هذه المناطق»، لكنها «لم تقرر بعد ولم توضح موقفها الحقيقي رغم خطورة الوضع».
ولم تثمر مفاوضات سابقة بين الطرفين، مع اصرار دمشق على إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع النزاع في عام 2011، وتمسك الأكراد بإدارتهم الذاتية.
وحذر الأكراد مراراً من أي هجوم تركي قد يخرج الوضع الأمني عن السيطرة في مناطقهم، وألا يتمكنوا بالنتيجة من حماية السجون والمخيمات التي تؤوي الآلاف من مقاتلي تنظيم داعش الأجانب وأفراد عائلاتهم، ولا أن يواجهوا خلاياه النائمة.
وخلال الأسابيع الماضية، نشرت وسائل اعلام تركية صوراً تظهر قافلات عسكرية تقل جنوداً ومعدات تتوجه إلى المنطقة الحدودية جنوباً.
من جهته، عبر مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا جير بيدرسن امس عن أسفه لانهيار وقف إطلاق النار في شمال غرب سوريا وقال إن تجدد العنف يهدد حياة ملايين بعد مقتل أكثر من 500 مدني منذ أواخر أبريل.
كما أشار بيدرسن إلى الاتفاق الأمريكي التركي الذي تم الإعلان عنه أمس الأول لإقامة «منطقة آمنة» في شمال شرق سوريا.
وقال مبعوث الأمم المتحدة في بيان «هناك مخاوف متزايدة لدى جهات الإغاثة من التصريحات التي تشير إلى تدخل عسكري محتمل والذي سيكون له تبعات إنسانية فادحة في منطقة شهدت بالفعل على مدى سنوات عمليات عسكرية ونزوحا وموجات جفاف وفيضانات».
وعلى الصعيد الميداني، أعلن المركز الروسي للمصالحة في سوريا عن احتدام الأوضاع في منطقة خفض التصعيد بمحافظة إدلب السورية بشكل حاد، مشيرا إلى تصاعد هجمات المسلحين على مدن وبلدات سورية.
وقال رئيس المركز الروسي للمصالحة، اللواء أليكسي باكين، في بيان له، ان «الأوضاع في منطقة خفض التصعيد بإدلب احتدمت بشكل حاد. ورفضت قيادة الجماعات المسلحة التي تنشط هناك الالتزام بنظام وقف إطلاق النار المعلن يوم 2 أغسطس».
وأكد أنه «ازداد خلال الـ 24 ساعة الأخيرة عدد عمليات القصف من قبل التشكيلات المسلحة غير الشرعية بشكل ملموس»، مشيرا إلى أنه تم رصد 42 عملية قصف يوم 6 أغسطس.
وأضاف أن المسلحين أطلقوا النار على 33 بلدة ومدينة سورية، بينها حلب وبلدات في ريفها ومحافظات اللاذقية وحماة وإدلب.
ونشر المرصد السوري المعارض أن اشتباكات عنيفة تشهدها محاور بالقطاع الشمالي من الريف الحموي، بين القوات الحكومية والفصائل المسلحة هناك، تترافق مع قصف جوي وبري مكثفة، وحققت القوات الحكومية تقدما جديدا تمثل بالسيطرة على قرية الصخر وصوامعها وقرية الجيسات شمال حماة عند الحدود الإدارية مع محافظة إدلب، لتقترب بذلك من بلدة الهبيط جنوب إدلب، نجم عنه خسائر بشرية جراء المعارك الدائرة شمال حماة.