التعايش شرطاً للذات والآخر!

محمد جميل أحمد –
التعايش هو ؛ إرادة العيش ضمن هوية التنوع، والتعايش بهذا المعنى، وفي ظل نزوحات العولمة التي تتعدد أسبابها وتختلف طرائقها من أجل العيش في أطر مجتمعات مفتوحة ومشتركة في الغرب، أصبح من أهم سمات هذا الزمن الذي حطم الكثير من معادلات العيش في الزمن القديم، سواءً لناحية اتساع دوائر المعرفة أم دوائر الانتقال. هذا يعني، مثلاً، إن هوية التكنولوجيا التي أصبحت سمة غالبة للعالم الصناعي اليوم في أوروبا وأمريكا واليابان والصين، قد توهم بسوية واحدة في تنميط مجتمعاتها إزاء فكرة التعايش باستصحاب طبيعة الحياة التكنولوجية تلك، والتي غالباً ما تعكس طرائق استجابة واحدة في التعامل معها.
لكن كل متأمل في هوية التعايش؛ أي في اختبار القدرة على تحمل العيش مع الآخر المختلف، يدرك، مع طول التفكر، أن ثمة اختلافاً عميقاً قد لا تنفع معه طبيعة الحياة التكنولوجية الواحدة حتى.
فالغرب الأوروبي، ثم الأمريكي، لاحقاً، طور واختبر التعايش عبر خبرة تاريخية لم تنهض فقط على الجانب العلمي والحياة الصناعية فيه فحسب، بل الأهم من ذلك أن التعايش الذي طوره الغرب كان تعايشاً ذا خبرة تاريخية، لعبت الحروب دوراً فيها، كما لعبت التجارة والاحتكاك بالآخرين في الرحلات دوراً، بحيث يبدو لنا جلياً أن التفكير الفلسفي الحقوقي الذي طوره الغرب من تلك الخبرة التاريخية وانعكس في هوية ومبادئ الدولة – الأمة،( دولة وستفاليا) التي جعلت من الوطن والشعب والمواطن بديلاً ملموساً لما تقتضيه الأفكار الطوباوية المطلقة لامبراطوريات أوروبا المسيحية وحروبها (حرب الثلاثين عاماً التي سبقت معاهدة وستفاليا العام 1648) إنما هو نتيجة تلك الخبرات التي دلت على أن مفهوم التعايش، في كونه جزءاً هوية الغرب، لم يطرأ نتيجة لطفرة تكنولوجية، فحسب.
فاليوم اليابان، وهي في قمة عرش الصناعة العالمية، ومع التسليم بطفراتها التكنولوجية العظيمة، لا يكاد المرء يرى فيها هوية واضحة أو كاملة للاختلاف والتعدد بحيث تستوعب فكرة التعايش بمعناها المطلق كما في الغرب.
وما يتصل باليابان يمكن أن يكون منعكساً على الصين، وهي الدولة المرشحة لصدارة دول العالم في العقود التالية ؛مما سيطرح أسئلة عميقة حيال كيفية صناعة التعايش على مستوى سيقتضي من أكبر دولة في العالم أن تعكس جانباً موازياً لاستحقاقها على صعيد قيم الانفتاح والتعايش، كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية اليوم؟
إذاً، ثمة هوية ستكون مفتقدةً في مستقبل الصين العالمي؛ لناحية اختبار فكرة التعايش، وهي تجربة تكاد اليابان اليوم تقصر عن تمثلها، رغم طفراتها التكنولوجية، فكيف سيكون الأمر بالنسبة للصين؟
وإذا كانت فكرة التعايش وما تقضيه من هوية راسخة في القدرة على إدارة الاختلاف والتعدد عبر المعرفة والحقوق، هي بهذا التعقيد في عالمنا الحديث؛ فإن الأمر سيكون جزءاً من المعضلة في عالم كعالمنا العربي، الذي رغم تجربته التاريخية في حركة المد الإسلامي وقدرته على اختراق مجتمعات العالم القديم بمبادئه الإنسانية، إلا أن سؤال التعايش، سيكون منعكساً في منطقتنا العربية، ولكن بفعل عامل آخر مغاير للتكنولوجيا ؛ أي عامل التخلف.
إن مجتمعاتنا في المنطقة العربية يقتضي إطلاق الطاقات فيها ؛إدراك تنوعها بإرادة العيش، أي صناعة التعايش الذي يمكن أن يقضي على التباينات المتوهمة والتناقضات المتخيلة بحكم التخلف. المفارقة هنا، أن التخلف إذ يعجز عن تمثُّل القيم الانسانية للإسلام اليوم فإنه، من ناحية ثانية، يعيد تمثيل ما هو عكسها بأسوأ النماذج التي تكرس لذلك التخلف وتجعل منه هويةً نسقيةً قادرة، باستمرار، على انتاج نفسها في غياب أي إرادة للعيش، أو أي طرق لتعبيرات الفكر وقوانينه في معالجة أسباب ذلك التخلف.
لَكم هو غريب؛ أن يُقرَّ المسلمون، مثلاً، دون جدل بمبدأ عالمية رسالة الإسلام (التي تحققت بمعناها ذاك في التاريخ القديم) ثم تبدو بعض تعبيراتهم المتخلفة في التعاطي مع العالم الحديث أكثر توحشاً بسبب التخلف ذاته!
ذلك أنه من المحال أن نتخيل مبادئ رسالة تبدو العالمية واضحةً جداً في نصها المؤسس (القرآن الكريم) ثم نشهد تعبيرات لبعض العلاقات البينية للمسلمين، مع بعضهم البعض ومع العالم؛ هي أقل بكثير من مطلق السوية التي تفتضيها حياة الانسان في هذا العصر؟
لهذا يمكن القول، ان التعايش صناعة، كالهوية تماماً، وأن الجزء المتصل بالعفوية البسيطة من تعايش مطلق البشر، غير كاف لاستيعاب تعقيداتٍ في مبدأ التعايش تنتجها المعرفة والتجربة في شروط الحياة الانسانية اليوم هذا يعني، أنه؛ كما لا يمكن للشرط التكنولوجي أن يكون كافيا لإدراك شرط التعايش كهوية مجتمعية في غياب معارف وأفكار وتجارب تتصل بالتعايش الانساني، فإنه ربما كان من المستحيل لمبادئ عظيمة كمبادئ الإسلام أن تكون بذاتها كافية، بمعزل عن الفكر والمعرفة اللذين يجعلان من تلك المبادئ قابلة للتمثل والتطبيق.