صقور المحافظين في بريطانيا .. وحرب الـ «100» يوم

مروى محمد إبراهيم –

على الرغم من أن 0.2% فقط من البريطانيين هم من اختاروا وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون لخلافة تيريزا ماي في رئاسة الوزراء وزعامة حزب المحافظين، إلا أن هذا لا يمنع أن البريطانيين ينظرون إليه باعتباره الأمل الأخير لإنقاذهم من عنق زجاجة الخروج الصعب من الاتحاد الأوروبي أو «البريكست».

فبمجرد صعود جونسون للسلطة ارتفعت شعبية المحافظين 6 نقاط مئوية بشكل عام، بل وتفوقوا على حزب العمال بعشر نقاط مئوية. مما يعكس مدى الترحيب الشعبي بزعامته، بغض النظر عن أفكاره اليمينية المتطرفة، خاصة وأنه أثار مخاوف الكثيرين بتأكيده أن بريطانيا ستخرج من أوروبا بحلول 31 من أكتوبر المقبل سواء أكان ذلك باتفاق أو بدونه.
منذ اللحظة الأولى لتولي جونسون مقاليد السلطة في بريطانيا، وضع رئيس الوزراء الجديد حرب الـ100 اليوم – الفترة الفاصلة بين توليه السلطة والموعد المحدد للبريكست- نصب عينيه كتحد تاريخي عليه إنجازه فورا. فما كان منه إلا أن تخلص من كل أعداء الخروج البريطاني في حكومة تيريزا ماي . وشكل حكومة جديدة من «صقور» المحافظين. ولم يكتف بذلك، بل شكل حكومة مصغرة تضم مجموعة محددة من الوزراء الرئيسيين في حكومته أطلق عليها اسم «حكومة حرب»، مهمتها الرئيسية تتمثل في وضع خطة محكمة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بلا اتفاق. وهي أسوأ الاحتمالات المطروحة أمام «البريكست»، ولكنها محاولة منه لتأكيد إصراره على الوفاء بوعده فيما يتعلق بالخروج في الموعد المحدد لذلك مهما كان الثمن.
وزير الداخلية السابق ساجد جاويد يعتبر من أهم الصقور في حكومة جونسون، حيث تولى منصب وزير الخزانة في الحكومة الجديدة. وكان أول نشاط له هو وضع خطة لضخ 2 مليار جنيه استرليني في الميزانية لمواجهة عواقب الخروج بلا اتفاق، لتصل الأموال المخصصة للإعداد للبريكست إلى 6 مليارات استرليني. وجاويد هو ابن سائق حافلة باكستاني المولد شق طريقه من أصعب الشوارع بريطانيا ليكسب في النهاية 3 ملايين جنيه إسترليني سنويًا في دويتش بنك.
أما دومينيك راب وزير خارجية جونسون، فقد شغل من قبل منصب وزير البريكست أو الخروج من الاتحاد الأوروبي في عهد تيريزا ماي حتى استقالته في نوفمبر الماضي احتجاجًا على صفقة مايو مع بروكسل.
أما مايكل جوف وزير البيئة السابق ومنافس جونسون على رئاسة الوزراء، فهو أحد أبرز صقور حكومة الحرب، حيث تم تعيينه كمستشار لدوقية لانكستر ورئيس لمكتب مجلس الوزراء. كوزير للبيئة في عهد تيريزا ماي، كافح جوف من أجل تجنب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وأيد الصفقة المشوهة إلى حد كبير والتي توصلت لها ماي في بروكسل. ولكن هذا لم يمنع جونسون من اختياره ضمن حكومة الحرب التي تضم 6 وزراء فقط يجتمعون بشكل يومي للإعداد لبريكست بلا اتفاق.
أما ستيف باركلي، آخر وزير للبريكست في حكومة ماي، فاحتفظ بمنصبه في عهد جونسون.
وحصل جيفري كوكس على منصب المدعي العام في حكومة جونسون ، وهو أيضًا عضو بارز في «مجلس الحرب».
كما يشارك أيضا في هذا المجلس الحربي جاكوب ريس موج ، رئيس فصيل المحافظين المؤيد بشدة لبريكست الذي يطلق على نفسه اسم المجموعة الأوروبية للبحوث، وسيحضر اجتماعات مجلس الوزراء بصفته القائد المعين حديثًا لمجلس العموم.
وبعد اختيار فريق الحرب المناسب لتنفيذ مهمته المستحيلة، يبدو أن جونسون أدرك ضرورة استقطاب الرأي العام والتقرب من المواطنين الذين يسيطر عليهم الخوف والغضب في آن واحد. فقد سافر جونسون لأكثر من 3000 ميل في أسبوعه الأول كرئيس للوزراء ، حيث زار عدة مناطق تعاني من أزمات ومخاوف حقيقية مع البريكست.
فقد التقى رئيس الوزراء الجديد بعدد ضخم من معارضيه واستمع إلى شكاواهم، قبل أن يؤكد في النهاية أنه لا يمكن التراجع عن الخروج في الموعد المحدد له.
أسلوب جونسون أثار الكثير من الانتقادات حيث اعتبر الكثيرون أن سياسته تحمل مغازلة لوسائل الإعلام، بل وتحمل الكثير من السطحية أكثر منه محاولة للتوصل إلى حلول جذرية للأزمات الراهنة. إن النهج – المتمثل في الدخول في صراع – وتطبيق سياسة الاستبعاد ضد المعارضين ليست تقليدية بالنسبة لقاطني 10 داوننج ستريت، فهو تصرف يتناقض تماما مع رؤساء الوزراء السابقين مثل ديفيد كاميرون ، وتيريزا ماي وحتى جوردون براون، الذين سعوا إلى معالجة الانقسامات عند الصعود للمنصب.
في كل مرة ، كان جونسون يؤكد للجميع أنه يتفهم القلق الذي يشعرون به بشأن خطة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، خاصة في حالة عدم وجود صفقة من شأنها أن تساعد حكومته لتجاوز مرحلة ما بعد الخروج. لكن بعد جدل ونقاش طويل، هناك رسالة محددة يوجهها جونسون لمواطنين مفادها، بريطانيا ستغادر الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر المقبل سواء بصفقة أو لا صفقة.
الأمر الذي دفع أحد مستشاري حزب المحافظين السابقين إلى وصف الوضع الحالي بأنه «داونينج ستريت» لـ «أنصار الخروج أولاً، المحافظين ثانيا».
خلال جولته، على مدار أسبوع، أكد رئيس الوزراء البريطاني الجديد أنه يريد تجنب الخروج بدون صفقة عن طريق الحصول على صفقة جديدة – وأنه يعتقد أن هذا ممكن فقط إذا عادت أوروبا إلى طاولة المفاوضات. وهو بطبيعة الحال الأمر الذي أكدت أوروبا مرارا أنها ترفضه، لتصل الأزمة إلى طريق مسدود.
خلال زيارة جونسون لمزارعي منطقة ويلز- في أول زيارة لهم كرئيس للوزراء- طلب الدعم من المزارعين لخطط خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مؤكدا أن هدفه ليس الخروج بدون صفقة. ولكن الأمر متروك لـ«شركائنا عبر القناة» على حد تعبيره. وجاء رد المزارعين عنيفا، حيث حذر رئيس اتحاد المزارعين في ويلز من «الاضطرابات المدنية» في المناطق الريفية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. ولم تفلح تأكيدات جونسون بأن حكومته ستقدم للمزارعين الدعم الذي يحتاجونه في حالة الخروج بلا اتفاق في تهدئة المواطنين الغاضبين لتبؤ الزيارة بالفشل.
ولم يكن الوضع أفضل حالا بالنسبة لأيرلندا الشمالية، والتي تعتبر قلب معركة البريكست، فهي المتضرر الأكبر من احتمال الخروج بلا اتفاق. فالأيرلنديون يرفضون مجرد التفكير في الفصل بين أيرلندا الشمالية والجنوبية بنقاط تفتيش حدودية.
فقد وصل جونسون إلى بلفاست عاصمة الإقليم وسط تهديدات متصاعدة من زعمائه من أن الخروج سواء أكان باتفاق أو بدونه سيعني تفكيك المملكة المتحدة في المستقبل. فأي عوائق تؤثر على حرية التجارة على الحدود بين أيرلندا وأيرلندا الشمالية مرفوض من قبل الأيرلنديين على جانبي الحدود، فالروابط الاقتصادية وحماية اتفاق «الجمعة الطيبة» المبرم بين الجانبين تدفعهم لرفض أي نوع من الحدود سواء ضمن الاتفاق المبرم حاليا والتي تحمل بعض التيسيرات والتي ترفضها بريطانيا خوفا من توغل النفوذ الأوروبي في الإقليم الشمالي، أو مع خروج خشن لا يشمل أي تسهيلات في العبور.
في الواقع جونسون اختار أن يحمل على عاتقه مسؤولية حقبة حرجة وفاصلة في تاريخ بريطانيا، وتهديده بتعليق عمل البرلمان خلال أكتوبر المقبل لضمان الخروج من الكتلة الأوروبية في الموعد المحدد يهدد بإشعال المزيد من الصراعات. ليخيم الغموض على مستقبل المملكة المتحدة ليغير تاريخ واحدة من أقدم القوى الغربية إلى الأبد.