عقود الإذعان

د. عبدالقادر ورسمه –

العقد شريعة المتعاقدين، هذه قاعدة أصولية جوهرية في القانون، ويتم العقد وفق ميكانيكية تقديم الإيجاب من طرف ويجد هذا العرض القبول من الطرف الثاني مع وجود المقابل أو الثمن، والعقد المتفق عليه يكون (نافذًا) بقوة القانون الذي يحمي الحقوق والواجبات، ولكن، هناك استثناء لهذه القاعدة القانونية المهمة، وهذا الاستثناء نجده واضحا في ما يعرف بـ«عقود الإذعان» (كونتراكت أوف أدهيشن)، وعقود الإذعان، من الناحية القانونية، تمثل صيغة من صيغ العقود التي في الغالب تعتمد على استخدام نموذج جاهز نمطي للعقد، وفي مثل هذه العقود، يقوم أحد أطراف العلاقة التعاقدية وبصورة منفردة بإعداد العقد ومن ثم يعرضه على الطرف الآخر الذي ليس له إلا الموافقة على العقد كما هو بالتمام والكمال أو رفضه بالتمام والكمال، وفي هذه العقود، يقبل الطرف الثاني بالعقد دون أن يكون له الحق في أن يغير في العبارات أو الشروط والأحكام التي يتضمنها العقد، وليس له الحق في أن يدخل في مناقشات أو مفاوضات أو مساومات حقيقية على شروط العقد مع الطرف الذي أعد العقد، وكما يتبين، فإن هذا العقد يخالف القاعدة الخاصة باتفاق أراده أطراف العقد قبل إبرامه.
وبسبب هذا الاختلاف أو الخاصية الخاصة بهذا النوع من العقود، تم وصف هذه العقود بـ«الإذعان» أي الخضوع والقبول والتسليم دون اعتراض، ولقد ظهرت هذه النوعية من العقود كنتيجة طبيعية للتطور الصناعي والتكنولوجي والتقني في الآونة الأخيرة، وما صاحب هذا الوضع من تطور كبير في الخدمات والمنتجات، ولكل هذا أثر في أحكام العقود مما أدى لظهور فئة جديدة من العقود لم تكن موجودة أو معروفة في المجال القانوني.
من أمثلة عقود الإذعان الظاهرة والمنتشرة، نجد عقود الخدمات الضرورية كعقود تقديم الكهرباء والمياه والتليفونات، وعقود التأمين، وعقود وسائل النقل المختلفة من برية أو جوية أو بحرية، وكما نلاحظ، أن هذه الخدمات ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها بل لا يمكن الحياة من دونها، ولهذا هناك إذعان في القبول ورضوخ تام لا بديل عنه، ومن بعض خصائص عقد الإذعان، نذكر مثلا، أن عقد الإذعان يتميز بأنه معروض بشكل مستمر على كافة الناس؛ ولذا هناك غياب تام لمناقشة بنود العقد، عقد الإذعان غالبا يكون نموذجا مكتوبا بصفة مسبقة، الطرف القوي في عقد الإذعان في أغلب الأحوال يكون محتكرا للسلعة أو الخدمة، كهيئة الكهرباء مثلا.
ولذا، إذا تم التوقيع على عقد الإذعان من قبل الطرف الثاني، فإن ذلك يمثل موافقته بكافة بنود العقد ولا يمكنه التنصل منها، ولكن يجوز أن يكون له حق المطالبة بتخفيف الشروط المتعسفة التي تصب فقط في مصلحة الطرف الأول.
ونظرا لأن عقود الإذعان لها علاقة مباشرة ببعض المتطلبات الأساسية في حياتنا اليومية ولأهميتها، نلاحظ أن (القانون المدني) في الغالبية العظمي من الدول يتضمن إشارة لهذه النوعية من العقود، وهناك نصوص واضحة تتناول التعاقد بالإذعان.
«لا يمنع من قيام العقد أن يجيء القبول من أحد طرفيه إذعانا لإرادة الطرف الآخر، بأن يرتضي التسليم بمشروع عقد وضعه الطرف الآخر مسبقا، ولا يقبل مناقشة في شروطه»، وفي هذا نجد المشروعية القانونية لهذا التعاقد.
ولم يكتفِ المشرع فقط بالإشارة لعقود الإذعان، ولكنه تقدم ووضع بعض الأحكام القانونية لضبط هذه العقود، «إذا تم العقــد بطريق الإذعان، وكان قد تضمن شروطا تعسفية، جاز للقاضــي، بنــاء علـــى طلب الطرف المذعن، أن يعدل من هذه الشروط برفع ما فيها من إجحاف، أو يعفيه كلية منها ولو ثبت علمه بها، وذلك كله وفقا لما تقتضيه العدالة، ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك»، وكما يتضح من النص أعلاه، فإن المشرع أعطى القاضي السلطة لاستخدام سلطاته التقديرية «… جاز للقاضي…» بالتدخل إذا رأى أن شروط العقد تعسفية، وأجاز المشرع للقاضي أن يقوم بتعديل الشروط التعسفية للدرجة التي ترفع ما بها من إجحاف وتعسف، أو أن يأمر بإعفاء الطرف المذعن كلية من الشروط التعسفية مع الأخذ في الاعتبار ما تقتضيه العدالة، وهنا نجد المشرع قد وضع عبئا على كاهل القاضي بالتدخل؛ بناء على طلب الطرف المذعن المتضرر، واستخدام سلطته التقديرية فيما يتعلق بالشروط التعسفية، وكل هذا يجب أن يتم وفقا لما تقتضيه العدالة.
لكن وبالرغم من وجود النص الواضح في أحكام القانون المدني؛ فهل يقوم الطرف المذعن المتضرر في عقود الإذعان باللجوء للقاضي وطرق باب المحاكم والعدالة؟ نتمنى حدوث ذلك لما له من حماية خاصة للمستهلكين وبعض المتعاقدين الضعفاء.