قراءة أخرى في العقل الإسرائيلي

عاطف الغمري –
تتجاوز حدود التفكير في العقل السياسي الإسرائيلي، منطقة الفكر الاستراتيجي بمكوناته العسكرية والاقتصادية والأمنية، إلى منطقة تختص بميزان القوى بين إسرائيل وبين الدول العربية، تتعلق أساسا بالتوازن في ميادين التقدم العلمي والتكنولوجي، والحضاري، وأيضا الاقتصادي لأنهم يعتبرون أن التعديل في هذا الميزان هو الذي يمكن أن يقلب ميزان القوى التقليدي بين العرب وإسرائيل.
إن قراءة العقل الإسرائيلي تظهر أن أي تعديل في هذا الميزان، يحدث في حالة تحديث الدول العربية بالمقاييس المعاصرة للتقدم والقدرة، والمكانة، وأن القوة العسكرية لم تعد وحدها الحاسمة في وضع ميزان القوى، بمقاييس هذا العصر، بمعنى أن تتحول إلى قوة منتجة معتمدة على نفسها ذاتيا في احتياجاتها الأساسية والحيوية، وأن تصبح قوة تنافسية اقتصاديا، اعتمادا على البحوث العلمية، مصحوبة بثورة في النظام التعليمي.
من الشخصيات الإسرائيلية القريبة من منطق تفكير العقل الإسرائيلي، شلومو بن عامي وزير الخارجية الأسبق، الذي يشرح هذا التفكير في كتابه «ندوب الحرب وجروح السلام: التراجيديا العربية الإسرائيلية»، ويقول إن من أهم أسباب الهجوم الإسرائيلي على مصر عام 1967 هو الخوف من أن تنجح مصر في تحديث يشمل العالم العربي، ودائما كان يوجد تحت السطح في إسرائيل، تيار خفي من التخوف من احتمال نجاح العالم العربي في التحديث.
بل إن بن جوريون نفسه اعترف في مذكراته قبيل حرب 67 بقوله: كنت دائما أخاف من إمكان ظهور شخصية بين الحكام العرب مثل أتاتورك الذي استطاع بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى إيقاظ روح شعبه، وتغيير الشخصية التركية، وتحويل تركيا إلى دولة متقدمة.
بن جوريون كان يقرأ العقل الإسرائيلي، والذي يضع على قمة أسباب قلقه تجاه ميزان القوى بينهم وبين العرب، أن تشهد الدول العربية عملية تحديث، ونهضة وتقدما سياسيا واجتماعيا واقتصاديا يكون هو مفتاح تعديل ميزان القوى لغير إسرائيل.
صحيح أن حرصها على رجحان كفتها عسكريا كان دائما الشغل الشاغل لها، لكن لم يغب عن تقديراتها دائما أن تحديث الدول العربية بمقاييس العصر هو الذي يمثل العنصر الأكثر خطورة على المدى الطويل، والذي يمكن أن يقلب ميزان المواجهة بين الجانبين سلما أو حربا.
ولهذا نجد أن ما يمارس من تنوع الحكومات خاصة منذ انقلاب نتانياهو على عملية السلام بدءا من عام 1996، ومرورا بمن خلفوه في رئاسة الحكومة، من ايهود باراك، وشارون، وأولمرت، ثم نتانياهو مرة أخرى، يمتد تفكيرهم في خط متواصل، ينظر إلى التقديم والتحديث في الدول العربية على أنه هو التهديد الحقيقي والخطر الفعلي، وهو تفكير متأصل في المشروع الصهيوني من أيام تيودور هيرتزل القوة المحركة وراء فكرة الدولة اليهودية منذ عام 1902، وبدء الحركة الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر.
وقد عبر شيمون بيريز في كتابات له في أواخر الثمانينات عن تصوره لشرق أوسط مختلف، تكون فيه إسرائيل هي قاعدة التقدم والتحديث في المنطقة وليس الدول العربية، ثم أعاد صياغة أفكاره في كتابه الصادر عام 1993 بعنوان «الشرق الأوسط الجديد»، والقائم على تطلعات قديمة بأن تكون إسرائيل دولة المركز المتقدم للمنطقة صناعيا واقتصاديا.
ومن المعروف أن الأفكار السياسية الإسرائيلية المعاصرة هي امتداد لنفس فكر المشروع الصهيوني منذ ما قبل قيام الدولة اليهودية، وتظل هذه الأفكار علامات ثابتة في استراتيجية العمل الإسرائيلي، وفي تركيز كبير على البحوث العلمية، واعتبارها من أهم أسس إدارة الدولة.
وفي هذا السياق أعلنت في عام 2008، خطة شاملة لتحقيق أهداف قومية، تدفع بإسرائيل إلى مقربة من الدول الـ15 المتقدمة في العالم خلال عشرين سنة قادمة أي في عام 2028، وتضع قدرتها العلمية والاقتصادية التنافسية، في مرتبة متساوية مع قوة الردع، والقدرة العسكرية.
إذن – معادلة توازن القوى بين الدول العربية وإسرائيل، لا تحكمها في حسابات العقل الإسرائيلي الميزان العسكري فحسب، بل يزيد عليه أهمية في هذا العصر، التوازن في مقدرات التحديث بمقاييس العصر، وليس بحسابات القوة في عصور سابقة.
وربما من المهم متابعة الاستراتيجيات الإسرائيلية سياسيا وعسكريا، لكن الأكثر أهمية قراءة ما يدور في العقل الإسرائيلي، والذي لا يفصحون عما فيه إلا لماما أو نادرا.