السودان ما بعد التوافق السياسي

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

تحدثت في مقال سابق هنا عن أهمية التوافق السوداني-السوداني بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير ومعها عدد من الحركات المسلحة وها هي السودان الشقيق تحقق ذلك الأمل وتم بالفعل التوقيع بالأحرف الأولى على الوثيقة الدستورية بين الطرفين بحضور ممثل الاتحاد الإفريقي الموريتاني محمد الحسن ولد لبات وممثل إثيوبيا محمود درير وهو إنجاز سياسي توافقي مهم بالنظر إلى المشهد السوداني المعقد وعدد الأحزاب والقوى السياسية وأيضا التدخلات الإقليمية التي كان معظمها سلبيا.

ولعل تحديد تواريخ لتعيين رئيس للوزراء وأيضا تشكيل الوزارة وأيضا المجلس السيادي وعدد من المفوضيات الأساسية مثل مفوضية الانتخابات وأيضا السلام والعدالة الانتقالية وغيرها تعطي مؤشرا على أن السودان مقبل على مرحلة مهمة تنقل البلاد خلال السنوات الثلاث القادمة من مرحلة الحكم الانتقالي الى مرحلة يتسم فيها النظام المدني بالعدالة والديمقراطية والمواطنة.
ويمكن للسودان ان يكون دولة مستقرة وذات اقتصاد قوي في ظل الموارد الطبيعية والبشرية الهامة وفي ظل امتدادها العربي والإفريقي والدولي وأيضا معالجة عقود من المشكلات منذ عهد الاستقلال في عقد الخمسينات من القرن الماضي، ومن هنا فإن التوقيع على الوثيقة الدستورية بالأحرف الأولى تمهيدا لتوقيعها من خلال احتفال رسمي يوم السابع عشر من الشهر الجاري بحضور وطني وعربي وإفريقي ودولي، ولا شك ان مظاهر الابتهاج والفرح التي عبر عنها الشعب السوداني تعطي الأمل الكبير نحو نقلة هائلة لهذا البلد العربي الشقيق والذي يحتاج الى مناخ سياسي إيجابي حتى يتم التفرغ لآفاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولبناء السودان على أسس صحيحة تعزز من كفاءة الاقتصاد والعمل بكل طاقة ممكنة لإيجاد بلد متطور ولديه الإمكانات والكفاءات التي حققت نجاحات كبيرة في الغرب والشرق على حد سواء ومن هنا فإن التوقيع علي الوثيقة الدستورية مرحلة مهمة في تاريخ السودان الحديث الذي يتطلع شعبه للاستقرار والتنمية.

ما بعد إقرار الوثيقة

تنتظر السودان الشقيق مرحلة مهمة وهو الالتزام المتبادل ببرنامج العمل الوطني الذي أقرته الوثيقة الدستورية وهي وثيقة مرحلية تؤسس لحكم انتقالي متبادل من ناحية السيادة بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير وبقية القوى السياسية لمدة ثلاث سنوات ولا شك ان جهد الاتحاد الإفريقي وإثيوبيا كان فارقا في الوصول إلى ذلك التوافق رغم صعوبة المهمة.
أمام الفرقاء فرصة تاريخية لتطبيق مسار الوثيقة حتى نجاح المرحلة الانتقالية وبعد ذلك الدخول في المرحلة الفعلية من الحكم المدني والانتخابات التشريعية والرئاسية بعد ثلاث سنوات من الآن.
كما ان المساندة الشعبية من كل القوى السياسية تعطي الأمل في أن تمضي الفترة الانتقالية بسلام وهنا يأتي الدور العربي في مساندة السودان خاصة على الصعيد الاقتصادي والسياسي حتى تمر المرحلة بسلام، كما ان المناخ الشعبي الإيجابي كان له دور وشعور بأن المطالب الشعبية قد تحقق جزءا مهما منها من خلال المشاركة الفعلية سواء في المجلس السيادي أو مجلس الوزراء أو من خلال المفوضيات المستقلة، وهذا أمر مهم لانطلاق السودان نحو الحكم المدني بعد معاناة عقود من الحكم العسكري. ولعل الأمر الإيجابي هنا ان الوثيقة الدستورية حددت تواريخ واضحة لكل العملية السياسية وهذا الأمر ساعد على تجاوز كل الملاحظات بين الطرفين كما ان الزخم السياسي من الاتحاد الإفريقي وإثيوبيا ساعد على حل كل الخلافات التي ظهرت قبل اعتماد الوثيقة الدستورية، كما ان هناك رغبة من الطرفين في تجاوز تلك الخلافات وتقديم تنازلات واضحة حتي يتم التوافق في نهاية المطاف على تلك الوثيقة الدستورية والتوقيع عليها بالأحرف الأولى وهذا أعطى مؤشرا بأن السودانيين وفي ظل أكثر الظروف تعقيدا يستطيعون الحوار المباشر والخروج بتوافق يخدم السودان أولا وهذا شيء يعطي مؤشرا إيجابيا على ان المرحلة الانتقالية ونجاحها سوف يعطي نقلة لحكم مدني في السودان بعد مرحلة الفترة الانتقالية.

نموذج الحوار

المشهد السوداني وما حدث به من حراك شعبي بعد انتهاء النظام السابق يعطي دروسا بأن المشكلات حتى لو كانت معقدة يمكن حلها من خلال الحوار وهذا الأمر يمكن تطبيقه في عدد من القضايا الشائكة الآن، صحيح ان الموضوع السوداني هو موضوع محلي ولكن كان له ارتباط غير مباشر بالخارج ومن هنا فإن الحرب في اليمن يمكن حلها بعد وقف الحرب وجلوس الفرقاء اليمنيين على طاولة الحوار وهناك الأزمة الخليجية يمكن حلها من خلال الحوار وأيضا المشكلات بين عدد من دول الخليج وإيران وحتى التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. ولعل فلسفة الحوار هو الخيار الذي تؤمن به السلطنة كاستراتيجية في حل الخلافات بين الدول وقد نجحت في ذلك مرارا وكان آخرها في الملف النووي الإيراني مع الغرب عام 2015 وهو من الملفات المعقدة والتي لا تزال إشكالاته تتواصل بعد انسحاب الإدارة الأمريكية منه.
إذن النموذج السوداني في الحوار يؤسس لمرحلة قد تنفرج فيها عدد من الأزمات في إفريقيا وأمريكا اللاتينية والمنطقة العربية لأن جلوس الفرقاء على طاولة واحدة هو الآلية الصحيحة لمواجهة المشكلات وليس التراشق الإعلامي البغيض وتبادل الاتهامات والمفردات غير الأخلاقية على شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل الإعلام والشبكات الإخبارية.
النموذج السوداني رغم تعقيداته السياسية والتاريخية لكن اثبت ان المصداقية والإخلاص في العمل والنوايا الإيجابية، يمكن ان تسفر عن اختراق حقيقي يؤدي إلى إيجاد حل توفيقي لأن الحوار لا يهدف الى تفوق وانتصار طرف على الآخر ولكن يؤدي إلى التوافق على قاعدة لا ضرر ولا ضرار وهو أسلوب يشعر الأطراف انها حققت الحد الأدنى من أهدافها وهذا شيء مهم وعلى ضوء ذلك كان المشهد السياسي في السودان مفرحا من قبل المواطنين وأيضا أعطى درسا بليغا في أهمية المصالحة الوطنية وأن السودان يبقى في النهاية فوق كل الاعتبارات الضيقة.

السودان الجديد

على ضوء ما حدث من توافق سياسي لابد من البناء على هذا الإنجاز السياسي والذي تحقق بعد جهود كبيرة سودانيا وإفريقيا وإثيوبيا وإلى حد ما دوليا، ومن هنا فإن التوقيع على الوثيقة الدستورية هو عمل مهم لانطلاق المرحلة الانتقالية بوجود الحكومة المدنية والتي تشكل الانطلاقة الأهم نحو بحث المشكلات الداخلية التي تهم المواطن السوداني بعد رحلة فراغ استمرت عدة أشهر عانى فيها السودان الشقيق الكثير من المشكلات الأمنية والفوضى. الكفاءات السودانية التي سوف تقود المرحلة الانتقالية مدنيا موجودة وهناك أسماء اقتصادية مهمة من خلال انتظار تشكيل الحكومة المدنية خلال الأيام القادمة وأيضا إعلان اسم رئيس الوزراء كما تمت الإشارة وهذه خطوات أساسية لتنفيذ الوثيقة الدستورية ذات البرنامج المحدد بالتواريخ. السودان دخل مرحلة مهمة وهناك مهام كبيرة تنتظر الحكومة السودانية المؤقتة ويمكن القول ان تطبيق الوثيقة بشكل إيجابي ونجاح المرحلة الانتقالية، سوف يخلق السودان الجديد ومن خلال مرحلة جديدة ينطلق من خلالها هذا البلد العربي المهم نحو آفاق التنمية الشاملة والتحديث من خلال رؤية واسعة تحدد كل المتطلبات لإيجاد دولة عربية إفريقية ذات شأن في المستقبل. صحيح هناك تحديات كبيرة وهناك مشكلات ومع ذلك يمكن تحقيق الأهداف الكبرى كما حدث مع دول خرجت من حروب كارثية في آسيا ولعل النموذج الفيتنامي يبقى دوما حاضرا وهناك في إفريقيا وليس بعيدا عن السودان هناك رواندا والتي خاضت حربا عرقية أهلية قاسية وهي الآن تحقق طفرة اقتصادية مدهشة، ومن هنا فإن الإرادة السياسية يمكن ان تحقق الكثير من الطموحات والسودان البلد المترامي الأطراف وذو الإمكانات لديه فرصة كبيرة لإيجاد التحول المطلوب لانطلاق تنموي حقيقي يخرج السودان من عقود من المشكلات والصراعات التي كان لها تأثير سلبي وجعلت السودان أسيرا لتلك المشكلات. المرحلة التي يمر بها السودان مرحلة تاريخية وعلى الجميع ان يشعر بان هذه المرحلة إذا تم استثمارها بالشكل الصحيح فقد نرى دولة سودانية بمعايير تنموية كبيرة تحقق أهداف المواطن السوداني على امتداد وطنه الكبير مع التمنيات للسودان الشقيق بالاستقرار والسلام والتنمية الشاملة.