أحذية ومكتبات

عادل محمود –
اليوم… لا يشتري الكتب أحد. المثقفون لا يحتاجونها أكثر من أدوات العيش الأخرى. الشعب لا يقرأ أولا يملك ثمن الكتاب الذي ارتفع سعره عشرة أضعاف خلال سنوات الحرب. بعض المكتبات أغلقت أبوابها، بعضها باعت حيزها المكاني. بعضها صار مقهى للأراجيل الدائمة، أو متجرًا للأحذية الفاخرة.
(دار اليقظة) اسم يدل على رسالتها، كانت تنشر ترجمات للثقافة التنويرية، وهي التي نشرت بالاتفاق مع الدكتور سامي الدروبي ترجمة الأدب الروسي، وخاصة الأعمال الكاملة لدستويفسكي، وكان في داخل المكتبة بوفيه صغير للقاء المثقفين والكتّاب. هذه الدار (دار اليقظة) للنشر صارت هذا الاسم الرومانسي (اليمامة للأحذية).
وفي سنوات الحرب كانت الأرفف يعلوها الغبار، وعدد الواقفين أمام واجهة المكتبة البلورية، هم العلامة الوحيدة المتبقية على الفضول المعرفي، فيما أصبحت الأرصفة وأسوار منطقة المكتبات التجارية والقرطاسية… هي المكان الأرخص؛ لأنه مكان العرض الرئيسي للكتب المقرصنة، وخاصة كتب أليف شافاق التركية، وخالد الحسيني الأفغاني، وغابرييل ماركيز الكولومبي، وباولو كويللو البرازيلي.
السوريون الأكثر شراء للكتب، وخاصة المجلدات الدينية والتاريخية، وهم الأثرياء الذين يعتبرون الكتب ذوات الأغلفة الفخمة ضرورة لديكور الصالونات، حتى إن بعض المحتالين صنّع المجموعات المرغوبة من الكتب علبا فارغة ومذهبة العناوين مطبوعا عليها أسماء أصحابها.
على إثر ثورة الطلاب في فرنسا 1968 أعلنت مؤسسة (لاروس) إفلاسها وأنها ستغلق أبوابها، وهي المؤسسة التي طبعت أشهر انسكلوبيديا فرنسية (لاروس).
عندما سمع الجنرال ديغول (الرئيس الفرنسي آنذاك) أمر بتقديم الدعم اللازم لبقاء هذه المؤسسة التي تعتبر أحد أهم معالم الثقافة الفرنسية، واعتبرها الكتّاب إحدى علامات الكرامة الوطنية.
السوري الذي يقرأ أوشك على الانقراض، وبدلا من السوري الذي يدعم رفوف الكتاب، هناك من يدعم خنادق القتال. ثمة أمر آخر يهم علماء الاجتماع: ترافق إغلاق المكتبات مع إغلاق البارات؛ «فلا كتاب يسلّي، ولا كحول يعزّي»، هكذا قال صعلوك ثقافي متضرّر!