نوافذ :هل زيادة عدد السكان مهمة؟

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

كنت أستمع إلى إحدى الإذاعات الناطقة باللغة العربية، لبرنامج يطرح نقاشا حول المسألة الإنجابية، وإن كانت مهمة بطلاقتها، أو أن هناك محددات يجب أن يقف عندها الزوجان قبل التفكير فيها؟ ومما لاحظته أن أغلب المتصلين بالبرنامج هم من فئة الشباب، ومن دول عربية مختلفة، وقد أجمع مجموعة المتصلين من النوعين على أن الإنجاب لا يشكل لهم هاجسا فطريا، وإن شكل هاجسا اجتماعيا، وقضية إشباع الرغبة الإنجابية حيث نداء الفطرة، يمكن التعويض عنها بتربية بعض الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب؛ معللين ذلك وخاصة فئة الإناث، بأن الواقع المحيط لا يشجع على الإنجاب، كالوضع الاقتصادي، والوضع الأمني، وانتشار الأمراض المزمنة، وحالات الإعاقات الذهنية، بالإضافة إلى طرح معوق عدم التكافؤ في الحياة الزوجية، وخاصة في قيم المجتمع العربي، الذي يجعل الزوجة في بيئة اجتماعية ضعيفة، أكثر من أنها قائدة أو تشاركية على الأقل.
هذه الصورة التفاعلية التي يطرحها هؤلاء الشباب، وهم لا يزالون في هذا العمر الصغير، نسبيا، يعكس حالة اجتماعية قادمة مرتبكة إلى حد بعيد، صحيح أنه ربما قد يكون من شارك في البرنامج هم قلة قليلة، وبالتالي لا يمكن أن يقاس عليها الحكم لما هو آت، ولكن هذه العينة يمكن أن يكتشف من آرائها مؤشر مهم لما ستكون عليه الحالة الاجتماعية للمجتمع العربي على وجه الخصوص، وهي حالة يمكن قراءة جزء من جوانبها، وهي ما تعبر عنه هذه الآراء من ناحية، وما نراه على الواقع من صور تذهب إلى التحرر من الروابط الاجتماعية الذاهبة إلى التكاتف والتناصر في محيط المجتمع الواحد من قبل النوعين (الذكر والأنثى) حيث لم يعد بناء الأسرة المتكاملة المكونة من (زوجين) هاجسا مقلقا إلى حد بعيد، ومسألة الإشباعات لجوانب هذه العلاقة لن تشكل هي الأخرى الهاجس المقلق كذلك.
هذا جانب، أما الجانب الآخر فهو ما يذهب إلى الحالة الإنجابية بشكل عام، ومسألة تعزيزها والتشجيع إليها، وطبعا عن طريق العلاقة الشرعية النظيفة، والحديث يذهب هنا أكثر إلى ضرورة تبينها كمشروع وطني مهم، يعول عليه في الاكتفاء الذاتي في المراحل الزمنية القادمة للوطن؛ فهو الوحيد القادر على تلبية احتياجات مشروعات الوطن التنموية، لأنها ووفق الواقع لما عليه كثير من دول العالم اليوم، أن البلدان ذات الكثافات السكانية لا تعاني من قلة الأيدي العاملة في مختلف المجالات، وبالتالي فهي تعيش اكتفاء ذاتيا من القوى البشرية الموكل إليها القيام بكل الأعمال الفنية والإدارية، الدقيقة منها والبسيطة؛ ولذلك فهي تمثل حلولا حاضرة لمختلف برامج التنمية، فوق أن عوائدها المادية يظل توظيفها داخل البلد الأم، ولو أن تنامي الكثافة السكانية تمثل تحديات تنموية أخرى لدى الدول، لكن يبقى عائدها أكبر، ومجموع التحديات التي تخلقها، تستطيع هذه القوى البشرية ذاتها أن تعيد إنتاج حلولها بنفسها من خلال الإبداع في مجموعات العمل التي تقوم بها؛ حيث تعيد إنتاج نفسها بنفسها، ومعروف أيضا أن الدول المصدرة للقوى البشرية، تكسب عوائد مادية كبيرة من المغتربين، مما يشكل دعما آخر، لا يقل أهمية؛ لرفد موازناتها المالية العامة.
بالإضافة إلى قدرتها على المحافظة على تأصيل هوياتها وقيمها من التشتت والابتذال، وكما هو معروف من أن القوى العاملة الوافدة في أي بلد كان، لها تأثيرات مباشرة على الديموغرافيا الوطنية، وبالتالي تشويه القيم، والهويات، ونشوء أجيال مشوهة الانتماء الاجتماعي، على أقل تقدير.
تشكل الأعراس الجماعية في المجتمع العماني ظاهرة اجتماعية محمودة، فهي بالإضافة إلى أنها تخفف من الالتزامات المالية لإقامة الأعراس، فسوف تقدم في الوقت ذاته للمجتمع «هدايا ديموغرافية» للوطن من خلال الأجيال القادمة على دفعات متلاحقة، وهذا من شأن المجتمع العماني أن يحافظ على حيوية طاقاته المتجددة من هذه الأجيال.