ربما: صديقاتي حياة

د. يسرية آل جميل –

مدخل:
بعض الصداقات بالعُمق لا بالعُمر
•••••••••••••••
رافقتُ كثيراً من الصديقات طوال مراحل حياتي، فأمي وفرت لي أصدقاء الزمن الجميل منذ أن كنت في أحشائها، فأبناء صديقاتها، أصبحوا أصدقائي حتى اليوم، نفرح لبعض، ونتألم لبعض، ونكون لبعض إذا ما احتجنا إلى بعض دائماً.
في المدرسة تعرَّفت إلى عددٍ كبير من الزميلات
في مرحلة الطفولة كنت أعتقد أن كُل بنات الصف، صديقاتي
وفي المتوسط كانت التي تبادلني أدواتها وساندويتش الفُسحة، وكراساتها المدرسية هي صديقتي، فتقلّصوا من حولي
أما في الثانوي فكانت التي تحدثني بالهاتف فترات طويلة، نتبادل القصص والحكايا عن المعلمات، نختلق الأسباب لنكون إلى جوار المعلمة التي اشتركنا في حبها، كُل يوم هي صديقتي، فقلَّ العدد أكثر وأكثر.
وحين التحقت بالجامعة مع بعضٍ ممن كان معي من المراحل السابقة اكتشفت أن الصديق ليس الذي يقف في طابور المقصف ليشتري لك الساندويتش ولا الذي يُعطيك دفتر الواجب لتنقل منه الإجابة، ولا الذي يهاتفك يومياً، الصديق هو أخٌ أنجبته لك المواقف والأيام وشواطئ الحياة.
الصديق هو الذي أسمح له بأن يتجاوز كُل الحدود ليعيش عالمي بكُل تفاصيله، منزلي، غرفة نومي، صندوق أسراري، سيارتي، خزائني، دون استحياء منه أو من تواجده الدائم فيه
صديقتي هي التي تسكن في أبعد منطقة عني، وأتفاجأ باتصالها من الصباح الباكر لتقول لي: « فيك شيء قلبي يقول إنك متضايقة» ؟!
الصديق نبضٌ واحد متوزع بين قلبين في جسدين مختلفين، يشعر بك، من أنفاسك دون أن تشرح له وجعك وأحزانك، فيهُّون الدُنيا بعينيك كثيراً.
صديقتي هي التي يدعو قلبها لي بالخير دائماً وأبدا، دون أن أطلب ذلك، تذكرني في سجودها، وقت إفطارها، حين يتساقط المطر، إذا ما وقفت أمام بيت الله العتيق.
صديقتي هي التي تؤنبني إذا أخطأت، وتنصحني إذا ما حدتُ عن الطريق، فتقُّوم اعوجاجي، وترمم انكسارات قلبي، حين يخذلني الآخرون.
صديقتي هي التي تقف بجانبي نفسياً، ومعنوياً، واجتماعيا وماديا وكُل كل شيء، بمُنتهى الحُب الذي في الدنيا، التي إذا احتجت إليها في أي ساعة من ساعات اليوم، رفعت عليها سماعة الهاتف دون خجل، لأتحدث وأتحدث وأتحدث، دون أن تشعر بملل من أحاديثي، حتى لو كانت مُكررة.
صديقتي التي خلقت لها بقلبي مكاناً لا يشغله غيرها، صديقتي التي تقدِّر غيابي إذا غبت، وتثمِّن حضوري إذا جئت، التي تُقسم علي، وهي واثقة حد اليقين بأني لن أخذلها.
صديقتي التي تبذل أقصى جهدها للاحتفاظ بي، بكُل ما يربطنا سوى، صورة لنا بضفائر الشعر، ذكرى مُشتركة أقوى من النسيان، برواز يجمعنا في حفل التخرُّج.
صديقتي التي مضى أجمل العُمر وهي معي، لا تتساقط كما يتساقط الآخرون، تمنحني الحُب بلا حدود، قلبها أحتسبه وطني الذي لا استغناء عنه، تعلو عن تفاهات الحياة
تُشاركني العقل حيناً، والجنون أحياناً كثيرة، صديقتي التي تدعوني بعد ساعات الدوام إلى الغداء في» دبي» فنقطع تذكرتين ونتجه إلى» دُبي» نتغدى و نرجع، ونستيقظ الصباح نتوجه إلى عملنا» ولا من شاف، ولا من درى».
صديقتي هي التي تحتسي معي فنجان قهوتنا الصباحية، تقاسمني كُل شيء، تشبهني حد التطابق، تعيشني دائماً، حتى أبنائي هي أمهم قبل أن أكون لهم أمَّاً، صديقتي التي أحدثكم عنها إنسانة عظيمةٌ جداً، والتاريخ لا يُكرر العظماء.
هي التي لن تنقطع علاقتي بها إذا ما غادرت الحياة، هي التي ستبكيني حين يصلها نبأ وفاتي، وهي التي سترثيني بكلماتٍ تقطِّع القلوب من حولها، وهي التي ستعدد مآثر الخير الذي كنت أحتسبه ليومٍ ألقى ربي فيه.
صديقتي هي التي ستقرأ لي الفاتحة كُل يوم، وتهديني الرحمة في دعواتها الصاعدة إلى السماء كل يوم.
صديقتي التي ستغمض عينيها قبل أن تنام، فتتذكر كيف منحتنا الأيام سعادة لا توصف حتى آخر العُمر، كراسي الحضانة الملونة، صفوف المدرسة، حصص الطبخ والرسم والموسيقى، قاعات الجامعة، مُدرجات التخرج، مكاتب العَمل، فتبكيني، وتبكي كُل شيء تركته من بعدي، فتحتضنُ دموعها، تستغفر الله لي ولجميع موتى المسلمين، وتنام.
فكُل الشُكر لك يا الله على صديقاتي القليلين جداً في عالمي، والذين جعلوا لحياتي طعماً مميزاً، لأزهد بكل شيء حولي، سواهم.
إليهم حيثما كانوا:
إذا ماغبتُ عن الدُنيا
أوصيكم صديقاتي بابنتي نوف، بقلبها الطاهر،الحنون الطيب
الذي يحبكم كما يحبني بالضبط
ذكروها بي، حدثوها عني
كم كنت أحاول أن اكون عظيمة لأجلها
ماذا كنت أفعل لأجعلها أميرة الأميرات
عن مُحاولاتي الدائمة لإسعاد قلبها الجميل
حدثوها عن حبي لها
وعن حاجتي الماسة لدعائها لي بالرحمة والغفران