رماد: الصفر البشري

عبدالله المعمري –
shinas1@hotmail.com –

ليس من السهل على الإنسان أن يُشبَّه بالصفر في لغة الأرقام ، ويتحول ضمن نطاق محيط ذوي القربى والمجتمع إلى «صفر بشري» تكون قيمته بحسب المنزلة التي يتواجد فيها هذا الصفر، فيكتسب القيمة والصفة التي تتناسب مع تلك المنزلة ، وهو ما يجرد الصفة الإنسانية من كينونتها، ويحولها إلى سلعة تقدم بحسب سعر ذلك الصفر، وهو ما يطلق عليها «المصلحة».
ليس هذا فحسب، بل هنالك من البشر من يتحكم بقيمة هذا الصفر البشري، اعتمادا على ما يريد منه أو يتحقق من تحكمه بهذا الصفر، فينقله من منزلة إلى أخرى، والصورة هنا أبشع ما يكون في فن التعامل الإنساني سواء ضمن نطاق الجوانب الاجتماعية أو العملية والمهنية. فأنت صفر على اليمين إن كنت تحقق لأحدهم مصلحة، وصفر على الشمال إن لم تحقق تلك المصلحة أو ليس لك قدرة على تحقيقها .
مؤلم جدا أن تصل إلى هذا المستوى، أن تكون صفرا بشريا، تكتسب قيمتك بحسب منزلتك ، فإن كنت ذا جاه أو منصب فإنّ منزلتك في خانة المئات أو الآلاف، وإن كنت بمستوى أقل من ذلك فإنّ منزلتك في خانة الآحاد أو العشرات، وإن لم تكن لك منزلة حقيقية (حسب مصلحتهم) ، فإنّ منزلتك ستكون بعد الفاصلة العشرية، تقل أكثر وأكثر .
ومهما صنعت لنفسك قيمة أو منزلة بشكل عام تجاه نفسك أو مجتمعك، فإنها تظل محصورة في إطار المنفعة المتحققة لهم من هذه القيمة، وعليك أن تحتفظ بقيمتك لنفسك، فهم ينظرون لك على أنك صفر بشري، والأمثلة على ذلك كثيرة، وفي مواقف متكررة، ولكنها تظهر جليّة إذا ما مررت بظرف طارئ أو ابتلاء جعلك تبتعد عن جميع المحيطين بك من ذوي القربى والمجتمع، لتكتشف فعلا أنك صفر بشري عند الكثيرين .
ومع كل هذا الشعور ، وأن تتحول إلى صفر بشري عند الكثيرين ممن حولك، إلا أنه يبقى هنالك جانب مضيء في عالم الإنسانية، يخرجك من الشعور بهكذا شعور وأنك للكثيرين ما أنت سوى «صفر بشري» ، ألا وهو وجود أُناس يتعاملون معك بصفتك الإنسانية، وبقيمتك من الحب في قلوبهم، ولا يعتبرونك مجرد صفر تكتسب القيمة من خلال المنزلة التي أنت فيها، إنهم وإن كانوا قِلّة، إلا أنهم رائعون، باعثون للحياة، فأينما كنت، وتحت أي ظرف كنت، فهم بقربك، في تواصل معك لذاتية إنسانيتك لا بمدى مصلحتهم معك، وبصفتك «إنسان» يجمع بينكم الحب والأخوة وفيض من مشاعر الألفة والخير والذكرى.