وتر: قضيتنا الخاسرة

شريفة بنت عـــلي التــوبية –

بقدر ما يتسابق أبنائي للجلوس بجانب النافذة، بقدر ما أنا مؤمنة بما قرأت: «إن الجالسين بالقرب من النوافذ لا يرون شيئًا» فكل شيء يمر سريعًا، ونحن جميعنا أشبه بمن يجلس خلف نافذة القطار، فنرى الحياة تمر سريعًا أمام أعيننا لتكون كالتقاطة خاطفة ولحظة عابرة، نعيش حياتنا كوجبة سريعة تغرينا بنكهاتها المتعددة ومنظرها الشهي، فنتناولها بسرعة وبلا متعة، فنحن أبناء الزمن السريع، الوقت عدونا، الساعات والدقائق والثواني تطاردنا، يجري الوقت معنا فنحاول تجاوزه، لكنه غالبًا يسبقنا، يقذف بنا في عمق بحر هائج أو على شاطئ لا أمان له، فأعمارنا قصيرة، لأننا لا نمنحها حقها من الحياة، ولا نحيا بشكل حقيقي بقدر ما نخاف من الموت وما يشغلنا التفكير فيه، فيصادر الموت منا أماننا، فنمضي ونحن نحارب كل شيء حتى أنفسنا، نعيش حياتنا كمن يحارب طواحين الهواء أو يناطح الجبال وهو يعلم أنه لن ينتصر، والحياة لو فكّرنا فيها قليلًا لوجدناها قضية خاسرة لا ننتصر فيها سوى لحظة الموت فقط.
يبدأ يومنا على صوت المنبّه منذ الصباح، نتناول قهوتنا أو وجبتنا الصباحية على عجل، نقود السيارة محاولين ضبط السرعة بما يتناسب مع الرقم المسجل في لوحة السرعة بالشارع، خشية أن تصورنا عدسة جهاز ضبط السرعة (الردار) وقد تجاوزنا السرعة المحددة، لكننا نضغط على دواسة البنزين لننطلق بأقصى ما نستطيع كلما أمنا الشارع من وجود جهاز ضبط السرعة (الردار) في أحد جوانبه، لاعنين الوقت الذي نطارده، نجري لاهثين حتى نلحق ونضع أصبعنا على جهاز (البصمة) لنثبت أننا لم نتأخر، ومنذ لحظة دخولنا وأعيننا على الساعة نرجو الوقت أن ينتهي، الجميع يجري، الجميع يطالبنا أن ننتهي، الجميع يصرخ: «ما شيء وقت»، وفي لغتنا الدارجة: «خلا، ليل»، حتى وأنت تقف في طابور المستشفى تجد هناك من يتحايل عليك أن تعطيه دورك، لأن وقته لا يسمح بأن ينتظر طويلًا ولو لم تكن متعبًا لسألته مازحًا: «ترى، أين هذا الوقت المستبد الذي لا يسمح كي أقتله؟» نعيش ونحن نركض وكأن هناك من يركض خلفنا في مضمار الجري السريع، ورغم أننا نلهث وتكاد تنقطع أنفاسنا فإننا لا نتوقف، فمنذ لحظة الصرخة الأولى ونحن نركض، نحلم بالوصول إلى خط النهاية قبل أن يصل غيرنا إليه، لكن حينما نصل نكتشف أننا كلنا نتسابق إلى حفرة صغيرة، ولا شيء ينتظرنا في خط النهاية سوى الموت، إذن لا ينتصر سوى الأموات فطوبى لهم نصرهم و(هاردلك) لنا الخسارة.