شحن الموتور البريطاني وحافة الهاوية

رشا عبدالوهاب –

عقدت حكومة بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني الجديد «مجلس حرب» استعدادا لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست) بدون اتفاق. وبين ليلة وضحاها، ستجد بريطانيا نفسها خارج السوق الموحد وترتيبات الاتحاد الجمركي الذي يساعد في التبادل التجاري بين الدول الأعضاء، وهو ما يعنى فرض تعريفات جمركية على الواردات البريطانية.
وأصدر جونسون أوامره لوزرائه والمسئولين في حكومته الجديدة بالاستعداد الكامل «لشحن المحرك/‏‏ التريبو» لخروج بدون اتفاق في 31 أكتوبر المقبل، وهو ما أثار حالة من عدم الاستقرار في أسواق المال وبين الشركات، وترك قادة الاتحاد الأوروبي يتساءلون حول ما إذا كان جونسون يحاول خداعهم.
ولتأكيد التحول في لهجة المملكة المتحدة، أعلن ساجد جاويد وزير المالية الجديد زيادة قدرها مليارا جنيه استرليني، إلى جانب الميزانية التي تقدر بحوالي 4.2 مليار جنيه لتمويل الخروج البريطاني، وذلك من أجل زيادة القوات الأمنية على الحدود وتحديث البنى التحتية للموانئ ولتوفير احتياطي من الأدوية لضمان استمرار الإمدادات إلى جانب تمويل البرنامج الوطني لمساعدة الشركات، ووصف جون ماكدونل مستشار الظل في الحكومة توفير هذه الميزانية للطلاق البريطاني بأنه مضيعة مروعة لأموال دافعي الضرائب، بينما وصفها الحزب الديمقراطي الليبرالي بأنها تشبه «إلقاء الأموال في المحيط».
وحذر بنك إنجلترا من أن الأسواق سوف تفقد الثقة في بريطانيا، وهو ما قد يسبب صدمة للاقتصاد بانكماشه بنسبة 5% خلال عام، وهي النسبة التي وصل إليها خلال الأزمة المالية العالمية في 2008 و2009، بينما أكدت وزارة الخزانة البريطانية أنه على المدى الطويل، فإن انكماش الاقتصادي قد يبلغ 8% إذا خرجت بريطانيا بدون اتفاق، وإن الضربة ستكون أكبر في حالة تباطؤ الهجرة بشكل حاد، ويرى بنك إنجلترا أيضا مخاطرة في عجز الحساب الجاري، الذي يترك بريطانيا رهينة «لطف الغرباء» حسب تعبير مارك كارني محافظ البنك، والذي قد يصرف المستثمرون الأجانب عن شراء الأصول البريطانية.
وفي 18 يوليو الماضي، حذر مكتب (مسئولية الميزانية)، وهي الجهة المسئولة عن الرقابة المالية في المملكة المتحدة، من أن الخروج بدون اتفاق سيدفع الاقتصاد البريطاني إلى مرحلة الركود، ومع تزايد حالة عدم اليقين بعد تولى جونسون رئاسة الحكومة وزعامة حزب المحافظين، فإن معدلات النمو في بريطانيا توقفت خلال الأشهر الأخيرة، وتعثر الاستثمار في الأعمال التجارية وتراجع الجنيه الاسترليني بشكل حاد إلى أدنى مستوياته منذ ثلاث سنوات. ويرى بعض الاقتصاديين أن الاقتصاد البريطاني تراجع في ثلاثة شهور إلى يونيو الماضي، في أول أداء ربع سنوي سيئ منذ 7 سنوات. وقال مركز أبحاث (معهد الحكومة) المستقل: «إن البريكست لن يكون (انفصالا نظيفا) عن الاتحاد الأوروبي، وسيؤثر على الحكومة البريطانية لسنوات قادمة»، وقالت كارولين فايربايرن المدير العام لمجموعة أصحاب الأعمال في بريطانيا (سي. بي. آي): «إنه من بين 27 قطاعا في الاقتصاد البريطاني، فإن 24 من هذه القطاعات ستتأثر بسبب الخروج بدون اتفاق»، ودعت الحكومات والمؤسسات والشركات على جانبي (القنال الإنجليزي) للاضطلاع بمسئوليتهم لمنع أزمة محققة. وعلى صعيد آخر، سيكون التبادل التجاري بين الجانبين محكوما، في البداية، بشروط منظمة التجارة العالمية، وهو ما يعنى خضوع البضائع البريطانية للتفتيش؛ مما قد يتسبب في تراكم البضائع في الموانئ. ومن بين المجالات الأخرى التي سيكون لها تأثير اقتصادي تدفق المعلومات حيث يتم نقل كميات كبيرة من البيانات الرقمية الشخصية لمواطني بريطانيا والاتحاد الأوروبي عبر كيانات القطاع العام والشركات عبر القنال الإنجليزي يوميا، وفي حالة الخروج بدون اتفاق، فإن قانونية تدفق المعلومات ستكون مثار تساؤل، وسيكون لها تأثير على الشركات، ومن بينها شركات التكنولوجيا والرعاية الصحية أو أي خدمات تتعامل مع زبائن بالاتحاد الأوروبي، واضطراب تدفق المعلومات سوف يكون حاجزا كبيرا أمام التجارة، وفي أسوأ الحالات، قد يضطر الشركات البريطانية إلى وقف عملياتها الأوروبية. كما سيتوقف نظام الشروط التعاقدية الذي تقدمه بروكسل، ويسمح للشركات غير الأوروبية بالامتثال للقانون الأوروبي، وبالتأكيد، فإن الشركات الكبيرة التي تملك إدارات قانونية كبيرة، والتي توقعت صدمة الخروج، توصلت إلى إجراءات بديلة، لكن مجموعة أصحاب الأعمال في بريطانيا (سي. بي. آي) حذرت من أن الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تدرك ما الذي يعنيه «البريكست الخشن» بالنسبة لهم. على المدى الطويل، تقول المملكة المتحدة: «إنها تريد توقيع اتفاق على تدفق البيانات مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما سيجعل بريطانيا يتم التعامل معها كأنها ما زالت عضوا في التكتل الموحد»، وحذر المسؤولون في بروكسل من أن هذه الترتيبات تحتاج إلى سنوات حتى يتم الاتفاق عليها.
كما أن المملكة المتحدة ستفقد قطاع الخدمات المالية (المربح) بخسارتها صلاحيات العمل في المنطقة الاقتصادية الأوروبية أو السوق الموحدة بدون تعقيدات الحصول على تصاريح من كل دولة على حدة. واحتمال حدوث اضطراب جماعي بعد الخروج يعنى أن الخدمات المالية تعتبر واحدة من القضايا القليلة التي يجب على المؤسسات المالية مثل البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا التنسيق لدرء المخاطر المترتبة على عدم الاتفاق، وفي الوقت الذي تتحمل فيه الشركات عبء الاستعداد لعدم الاتفاق، فإن بروكسل اتخذت خطوات طوارئ مهمة تتضمن إمكانية الوصول المؤقت إلى المؤسسات المالية العاملة في المملكة المتحدة، وهي الإمكانية التي ستنتهي في مارس 2020، كما حددت 18 شهرا للوصول إلى مستودعات الأوراق المالية المركزية التي تقوم بتسوية التداولات، إلى جانب نافذة مدتها 6 أشهر للسماح بالتغييرات التعاقدية مع التجار، وعلى المدى الطويل، فإن العاصمة لندن سوف تكافح للحصول على إمكانية وصول محددة إلى الأسواق في ظل نظام الاتحاد الأوروبي المعروف باسم «قرار المعادلة» أو نظام التكافؤ، والممنوح للشركات من خارج الاتحاد الأوروبي، وحتى إذا وافقت بروكسل، فإن القطاع المالي لن يصل إلى أعماق السوق التي كانت تصل إليه بريطانيا كدولة عضو، كما أن نظام التكافؤ يمكن سحبه من لندن من قبل المفوضية في لمح البصر.
ومن المخاطر التي تواجه الاقتصاد البريطاني الانفصال عن الاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي، وهو ما يعنى أن الشركات البريطانية سوف تملأ البيانات الجمركية، وتغير الملصقات على منتجات الأطعمة وتجرى فحصوات طبية للصادرات التي تحتوي على منتجات حيوانية، وعلى الرغم من أن المملكة المتحدة أطلقت حملة إعلامية لإبلاغ الشركات بالخطوات التي ينبغي اتباعها في حالة الانفصال، فإن الشركات البريطانية انتقدت الحكومة بشأن نقص المعلومات حول كيفية الاستعداد لحافة الهاوية، وعلى سبيل المثال حول قضايا التعامل مع تغييرات التعريفات الجمركية والتفتيش الجمركي على الحدود الأيرلندية، وفي بداية العام الحالي تواصلت الحكومة البريطانية مع 145 ألف شركة لإبلاغهم أن التجارة مع الاتحاد الأوروبي سوف تدفعهم إلى الدخول على نظام جديد يسمح لهم بتبسيط الإجراءات الجمركية وتأجيل دفع رسوم الاستيراد، إلا أنه لم تستجب لطلب الحكومة سوى 10 آلاف شركة فقط. وعلى الجانب الأوروبي، فإن بروكسل حافظت على إجراءات الطوارئ الجمركية المربكة بشكل متعمد، حيث مررت المفوضية تشريعا يسمح بتعديلات زمنية على البيانات الجمركية، لكنها لم تمنح أي إعفاءات خاصة للموانئ البريطانية، التي تعتبر الأوسع استخداما والأرخص في نقل البضائع. واضطرت الدول الأعضاء في وضع خطة للتعامل مع الشروط التجارية الجديدة للاتحاد الأوروبي مثل هولندا وبلجيكا وفرنسا، إلى تجنيد موظفي الجمارك المحترفين للتعامل مع الروتين الإضافي.
وعلى صعيد النقل بين دول التكتل وبريطانيا، كان قطاع النقل يأمل في التوصل إلى اتفاق خاص، خصوصا الشركات العاملة عبر الحدود مثل شركات الطيران و(جيت لينك)، التي تشغل الأنفاق الأوروبية، استعدادا لسيناريو عدم الاتفاق لتقليل الاضطرابات إلى الحد الأدنى. وعلى الرغم من أن شركات الطيران سوف تواصل عملياتها، فإن عملها لن يكون مثلما كان في السابق، ومررت المفوضية قانونين يسمحان لشركات الطيران بالتحليق من مكان إلى آخر بين بريطانيا والدول الأوروبية، لكن حقوق الطيران الأساسية سوف تستمر حتى مارس 2020. وتوفر التدابير التي مدتها ستة أشهر نافذة قصيرة للاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة للتفاوض على صفقة جوية مستقبلية، لكن الترتيبات الجديدة غير واضحة، كما أن الاتحاد الأوروبي سيخسر مساهمة بريطانيا في ميزانيته التي تقدر بتسعة مليارات جنيه استرليني سنويا.
ومع ذلك، فإن المستثمرين مستعدون لاحتمال إجراء انتخابات مبكرة؛ حيث إن حزب العمال المعارض لديه خطط لزيادة الإنفاق العام، بما في ذلك إعادة تأميم بعض المرافق وشركات السكك الحديدية، مما قد يزعج المستثمرين، ومن جهة نظر جيريمي كوربين، زعيم الحزب المنقسم بشدة، فإن جونسون حصل على دعم أقل من 100 ألف عضو من المحافظين، بتقديمه وعودا للأغنياء بتخفيضات ضريبية، وتقديم نفسه على أنه صديق المصرفيين، وحذر من أن الخروج بدون اتفاق يعنى شطب وظائف وارتفاعًا في أسعار السلع وتخصيص الرعاية الصحية.