خروج بريطانيا وتبعات الاتحاد الأوروبي

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني يقول: «إن أواخر شهر أكتوبر القادم هو موعد خروج المملكة المتحدة من عضوية الاتحاد الأوروبي، وهو قرار لا رجعة فيه على الصعيد الأوروبي؛ حيث إن دول الاتحاد ترفض إعادة التفاوض على شروط الخروج التي حاولت تيريزا ماي رئيسة الوزراء السابقة الحصول عليها دون نتيجة تذكر»، ومن هنا فإن المعركة سوف تكون بين جونسون والأوروبيين وقد يفضي ذلك إلى خروج بريطاني بدون اتفاق، وهو الأمر المرجح في ظل تمسك كلا الطرفين بمواقفهما.

وفي هذا الإطار أعلن الوزير البريطاني المكلف بملف بريكست ستيفن باركلي أن بريطانيا ستغادر الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر بعد تأجيل الموعد مرتين، وتحدث عن الإرهاق في هذا الملف الذي يضغط على الحياة السياسية البريطانية منذ استفتاء عام 2016 الذي صوت فيه 52 في المائة من البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي.

الخروج دون اتفاق:

إذا ظلت المواقف كما هي الآن بمعنى إصرار بريطاني على الخروج مع نهاية شهر أكتوبر وإصرار أوروبي على عدم تغيير اتفاق وآليات خروج لندن من الاتحاد، فإن ثمة إمكانية لخروج بريطاني دون اتفاق، وهذا الأمر له تبعاته الأوروبية والبريطانية أيضا؛ فهناك حديث من داخل المفوضية الأوروبية على حدوث ذلك الاحتمال وهو الخروج دون اتفاق، فهناك حديث يدور في إعداد خطة من قبل المفوضية الأوروبية لحماية مواطني وشركات الاتحاد الأوروبي من الاضطرابات الكبرى في حال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق مع نهاية شهر أكتوبر القادم، ولعل أكثر المشكلات التي قد تظهر هي المسائل المالية العالقة والخدمات المالية للطيران والجمارك وانبعاثات الكربون للتجارة، ومن هنا فإن تلك الخطة تهدف إلى حماية مصالح الأفراد والشركات وأيضا مصالح دول الاتحاد الأوروبي وهناك على الصعيد البريطاني آثار اقتصادية وتبعات علي الخروج البريطاني وهي تتشابه كثيرا مع التبعات الأوروبية خاصة على صعيد الأفراد والشركات، وأيضا التبعات المالية على بريطانيا بسبب إنهاء عضويتها في الاتحاد الأوروبي على ضوء القوانين التي تنظم مسألة الانضمام ومسألة مغادرة الاتحاد الأوروبي.
من الأضرار الاقتصادية التي سوف يتعرض لها الاقتصاد البريطاني هي مسألة النمو وهناك تحديات سوف يواجهها المصدرون البريطانيون حول التعرفة السنوية التي قد تتجاوز 6 مليار جنيه استرليني كما أظهرت تحليلات جريدة الجارديان أنه في إطار قواعد منظمة التجارة العالمية سوف تتأثر الصادرات البريطانية للاتحاد الأوروبي، كما أن الاقتصاد البريطاني قد يواجه مشكلات أخرى حيث نشرت الحكومة البريطانية 80 مذكرة فنية في الأشهر الأخيرة تغطي أول 16 مذكرة منها جميع ما يمكن أن يترتب على الانفصال عن أوروبا دون اتفاق على كافة القطاعات بدءا من التنقلات والموانئ وحتى الأعمال الحكومية والأوراق الرسمية، ولعل أهم تلك المذكرات الفنية هي المذكرة الأولى التي تتحدث عن الوضع بالنسبة للحدود البريطانية مع أيرلندا الشمالية الذي يمثل النقطة الخلافية الأكبر والأكثر جدلا في اتفاق بريكست، وتشير المذكرة الثانية والثالثة إلى حقوق البريطانيين في باقي دول الاتحاد الأوروبي وحقوق الأوروبيين في بريطانيا خاصة حقوق الإقامة والعمل وحرية التنقل وعلى ضوء تلك الإشكالات فإن بريطانيا والاتحاد الأوروبي أمام تحديات حقيقية في حال الخروج البريطاني دون اتفاق، ومن هنا فإن من مصلحة الجانبين هو إيجاد مقاربة تجنبهما آثارًا اقتصادية وتعقيدات اجتماعية ولوجستية كبيرة خاصة للجانب البريطاني خاصة فيما يخص أوضاع أيرلندا وحتى اسكتلندا التي لا تريد الخروج من الاتحاد.
الخروج دون اتفاق أو آلية يتم التوافق حولها سوف يخلق مشكلات تم التعرض لبعضها على الصعيد المالي والتجاري وحقوق المواطنين والشركات، وعلى ضوء ذلك فإن هناك أمام رئيس الوزراء البريطاني الجديد بوريس جونسون فرصة زمنية للتوصل إلى حل توفيقي مع الأوروبيين حتى يمكن تجنب تلك الإشكالات المزمنة التي سوف يكون لها انعكاسات على الطرفين الأوروبي والبريطاني.

هل من مخرج؟

على ضوء تصريحات الجانب الأوروبي الأخيرة، فإن الموقف لا يزال قائما دون تعديل أو إمكانية إعادة التفاوض وعلى الجانب البريطاني فهناك تصميم على الخروج حتى دون اتفاق، وخلال الشهور الثلاثة المتبقية فسوف يقوم جونسون بجهود مكثفة لإيجاد حل توافقي مع زملائه في دول الاتحاد الأوروبي للخروج من المعضلة الحالية.
فالخروج البريطاني دون اتفاق سوف يكون خروجا فوضويا وسوف يتعقد المشهد الأوروبي كما أن بريطانيا قد تواجه سلسلة من القضايا القانونية، وبالتالي تدخل الأمور في مناخ معقد قد تكون له تبعات حتى على وضع الاتحاد الأوروبي، ومن هنا فإن الوقت لا يزال متاحا لبريطانيا والمفوضية الأوروبية للجلوس مجددا للوصول حتى للحد الأدنى من اتفاق ملائم يجنب كل منهما التبعات الكبيرة التي تمت الإشارة إلى بعضها والتي سوف يكون لها انعكاس سلبي على الجانبين وخاصة الجانب البريطاني الذي سوف يظهر وحيدا أمام الكتلة الأوروبية.
ليس هناك مخرج سوى الاتفاق حيث تشير كل التحليلات الأوروبية وحتى البريطانية إلى أن الخروج دون اتفاق سوف يكون كارثيا، وسوف تظل قضايا مصيرية معلقة دون حل أو آلية يمكن من خلالها ترتيب إجراءات لحلها، كما أن الخروج البريطاني دون اتفاق سوف يثير مشاكل في المملكة المتحدة خاصة من اسكتلندا وأيرلندا التي سوف تتأثر مصالحهما الاقتصادية بعد الخروج البريطاني، وقد نشهد استفتاء جديدا خاصة من اسكتلندا، وهو الأمر الذي يهدد وحدة المملكة المتحدة.
المرونة الأوروبية:

خلال محاولات رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي كانت هناك جهود لإيجاد حل ولكن الإصرار الأوروبي جعل ماي تدفع الثمن وتستقيل من رئاسة حزب المحافظين وبالتالي الاستقالة من الحكومة في مشهد مؤثر أمام 10 داوننج ستريت، ومن هنا فإن المطلوب هو مرونة أوروبية في هذا الجانب خاصة أن رئيس الوزراء الحالي بوريس جونسون يحظى بدعم كبير من الرئيس الأمريكي ترامب وهناك حديث عن إقامة اتفاقية تجارية هامة بين لندن وواشنطن بعد الخروج البريطاني، ولا شك أن التأثير الأمريكي على القارة الأوروبية مهم من خلال حلف الأطلسي أو حتى من خلال العلاقات الاقتصادية الكبيرة للشركات الأوروبية تحديدا في السوق الأمريكي الكبير، ومن هنا فإن ثمة إمكانية للتأثير الأمريكي الخفي لدعم بوريس جونسون للخروج باتفاق محدد بين لندن والاتحاد الأوروبي.
الموقف الحالي لبريطانيا وأوروبا لن يساعد على خروج آمن لبريطانيا وسوف يستمر السيناريو نفسه الذي حاولت ماي أن تغيره دون نجاح يذكر، علاوة على رفض البرلمان البريطاني لاقتراحات ماي المتعددة وخاصة اتفاقها الأخير مع دول الاتحاد، والتي رفضها البرلمان ثلاث مرات وأدت إلى انسحاب ماي من المشهد السياسي البريطاني.
إذن تبقى المرونة الأوروبية مهمة سواء من خلال الاقتناع الذاتي أو من خلال تأثير أمريكي محدد، ومن هنا سوف تتواصل النقاشات والحوار بين جونسون ونظرائه الأوروبيين لإيجاد حل للمعضلة الحالية ومع مرور الوقت حتى لا يصطدم الجميع بحلول نهاية شهر أكتوبر الذي يزحف رويدا، ولعل من المصلحة الأوروبية والبريطانية خروج بريطانيا باتفاق؛ لأن ذلك سوف يجنب الأطراف التبعات المعقدة التي سوف تكون مثار مشكلات قد تتعدى أوروبا نفسها خاصة على صعيد التجارة العالمية وأيضا مشكلات الرسوم بين الصين والولايات المتحدة وحتى بين دول الاتحاد الأوروبي وواشنطن.
إذن المشهد البريطاني- الأوروبي معقد، والبريكست تحتاج إلى إنقاذ سريع، ولم يعد هناك من مرونة أوروبية تنهي الجدل الكبير حول قضية الخروج البريطاني من عضوية الاتحاد الأوروبي، ولعل هذه المشكلة والإصرار الأوروبي هو في جانب منه رسالة إلى بقية دول الاتحاد وهي أن مسألة ترك الاتحاد سوف تكون له تبعات كبيرة، ومن ناحية أخرى فإن ذلك المشهد المعقد قد يوحي بأمور قد تنعكس سلبا على مستقبل الاتحاد في مرحلة قادمة خاصة أن هناك تساؤلات جادة حول مستقبل الاتحاد بعد خروج أحد مكوناته الأساسية وهو المملكة المتحدة.