جونسون.. والقفز فوق أسوار البريكست

إميل أمين –

تبدو بريطانيا أمام حالة من حالات الاضطراب السياسي العميق، تلك الحالة التي أدت إلى رحيل رئيسة الوزراء السابقة تيرزا ماي، عن 10 داوننج ستريت، ومجيئ رئيس وزراء جديد، بوريس جونسون، والذي يواجه تلك العقبة الكؤود التي تكاد تسبب الكثير من الانزعاج للبريطانيين خاصة والأوروبيين عامة، وبات السؤال هل جونسون قادر بالفعل على تجاوز تلك الإشكالية بأقل الخسائر للطرفين، وربما مع تحقيق شيئ من المكاسب لبلاده؟

الشاهد أن جونسون تعهد بالخروج من الاتحاد الأوربي بنهاية أكتوبر القادم، وهذا ما وعد به في كلمة أمام مقر الحكومة بعد تكليفه رسميا من قبل الملكة اليزابيث الثانية، باتفاق جديد أفضل مع الاتحاد الأوروبي، ولكي لا يترك الخروج أثرا سلبيا بالغ الضرر أو الخطورة على بقية الأوروبيين، كما أشار في الوقت عينه إلى أن عملية الخروج هذه لابد لها من أن تتم بلا أعذار أو استثناءات.
لا تبدو مسألة البريكست أمرا هينا في الداخل البريطاني، سيما وان نتيجة الاستفتاء لم تكن جذرية، بل هامشية إن جاز التعبير، بمعنى أن الذين قالوا بالخروج لا يتجاوزون الشريحة القليلة جدا، ما يعني أن هناك أصواتا تكاد تصل إلى النصف تؤيد البقاء، لكنها الديمقراطية البريطانية الشهيرة ذات الجذور الراسخة في الحياة السياسية الانجليزية.
في كل الأحوال يمكن القول أن البريطانيين المتشارعين والمتنازعين قد اعتبروا جونسون الرجل الذي بدا حياته صحفيا، الوحيد القادر على الخروج من الاتحاد الأوروبي بصرف النظر عن النتيجة، ولم يلتفتوا إلى الأصوات التي تنذر وتحذر من الخطورة الكبيرة على الاقتصاد البريطاني وتماسك وحدة الدولة حال الخروج بدون اتفاق مع بقية الأطراف الأوربية.
يعن لنا أن نتساءل ونحن بين يدي هذا المشهد:«كيف ينظر جونسون نفسه الى إشكالية البريكست؟ الشاهد أنه أعلنها صراحة حين أشار إلى أن الأمر يمثل «فرصة اقتصادية هائلة لبلاده»، وهي رؤية وتصور تضاد تماما ما كانت تؤمن به السيدة تيرزا ماي، من أن الخروج من قلب الاتحاد الأوربي أمر بمثابة «عاصفة معادية داهمة».
رؤية جونسون للبريكست وردت خلال خطاب ألقاه في شمال غرب بريطانيا وتحديدا في منطقة مانشستر، حيث ذهب إلى هناك متعهدا ببث استثمارات جديدة في مناطق صوتت لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوربي، وهناك ذهب رئيس الوزراء الجديد إلى أبعد حد ومد في تقديره للازمة التي تكاد تعصف ببريطانيا حين قال:«حين صوت الناس لمغادرة الاتحاد الأوروبي، فإنهم لم يصوتوا فقط ضد بروكسل، وإنما أيضا ضد لندن، ووعد بمنح المزيد من الصلاحيات للسلطات المحلية، وتعزيز البنى الأساسية للاتصالات والنقل».
الذين قدر لهم الغوص معمقا في فكر جونسون يعلمون تمام العلم أن الرجل يميل بدرجة أو بأخرى إلى التيار الشعبوي البريطاني، ذاك الذي يسعى إلى تغليب منطق الفوقية القومية، وهذا ما يتجلى في قوله: «أن استعادة السيطرة لا تعني فقط أن وستمنستر ستسترد سيادتها من الاتحاد الأوروبي، وأنما تعني أيضا أن قرانا ومدننا وقطاعاتنا ستكتسب استقلالية».
تبدو إرادة جونسون واضحة كل الوضوح لجهة لخروج من الاتحاد الأوروبي مرة والى الأبد، مشيرا إلى أن: «مقاربة حكومة المملكة لا تقوم على الانعتاق، ولا على أخذ المسافة، ولا على انتظار أن يأتي الأوروبيون إليه، بل ترتكز على محاولة حل المشكلة من داخل الأفكار البريطانية التقليدية».
هل يعني ذلك ان جونسون سوف يضرب عرض الحائط بشركائه الأوروبيين مرة وإلى الأبد، وأنه سوف ينسحب دون أن يقيم لهم وزنا، أو يتواصل للخروج بالاتفاق وبنوع خاص مع الطرفين الفرنسي والألماني، حيث الأول يمثل عقل أوروبا الفكري والسياسي، فيما الطرف الثاني يشغل وضع القاطرة في الداخل الأوربي من الناحية الاقتصادية على أقل تقدير؟
يقول جونسون: «أنه مستعد للتباحث مع الشركاء في الاتحاد الأوروبي، ولكن فقط في حال جرى سحب البند المعروف ب «شبكة الامان»، من اتفاق الخروج الذي توصلت إليه تريزا ماي مع بروكسل، في إشارة إلى البند الرامي الى ضمان عدم العودة إلى حدود مادية بين مقاطعة إيرلندا الشمالية البريطانية والجمهورية الأيرلندية.
بشكل سريع للغاية اختار جونسون طاقم وزارته، غير أن هناك من يأخذ عليه اختياره لوزراء من دون دراية كافة لإبعاد المشهد الحالي، حتى وإن كان النظام السياسي البريطاني يعتبر الوزارات حقائب سياسية لا يشترط فيها تخصص المسؤول الجديد حين تقلده أي منصب سياسي.
غير انه على الجانب الآخر والأمر الذي يعد نقطة إيجابية في ملف جونسون هو إدراكه لضرورة تشكيل حكومة متماسكة لديها ذات الرؤية ونفس الأهداف، وكذا القدرة على التوجه في مسار واحد من غير تخاذل وبدون خجل أو وجل، من خلال تعظيم القدرة البريطانية وتقليص المخاطر التي تعتري المستقبل بالنسبة للأجيال القادمة.
لا تعني رغبة جونسون الجامحة في الخروج من الاتحاد الأوروبي أنه يريد تفكيك القارة الأوروبية عن بكرة أبيها، فهو يدرك إدراكا عميقا ان هذا أمر سيسبب الضرر البالغ للبريطانيين قبل بقية الأوروبيين، ولهذا فانه يمضي في مسارين: أما المسار الأول فهو قناعته بإمكانية الخروج من الاتحاد عبر صفقة توفر أفضل المزايا لبريطانيا، وبأقل قدر من الخسائر الممكنة، بل أنه يتطلع إلى أن يقدم الاتحاد الأوروبي التنازلات لبريطانيا، مستندا على حجة مفادها أن بريطانيا هي الطرف الأقوى في معادلة البريكست، وأنه يمكن اتخاذ الفاتورة المالية لبريكست والتي تقدر ما بين 39 و 45 مليار يورو كورقة ضغط على الاتحاد الأوربي.
فيما المسار الثاني فيمضي عبر رؤية تعمل في عقل جونسون تقوم على أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي أمر سوف يمكنها من الانطلاق بحرية كبيرة، بعد التحلل من القيود التي تكبلت بها طويلا، لجهة بقية دول القارة، ما يعني مقدرة بريطانيا على ممارسة المزيد من التجارة الحرة مع دول أخرى ضمن الحدود الأوروبية، وأن كان هذا المسار في واقع الحال يغفل بدرجة كبيرة جزئية مهمة وهي أن دول أوروبا لا سيما المنضوية تحت راية الاتحاد لن يمكنها التعاطي بحرية مطلقة مع الجانب البريطاني، أي لن تمارس علاقات بصورة منفصلة عن قواعد الاتحاد الأوروبي.
هل سيقدر لبوريس جونسون النجاح حيث اخفقت تيرزا ماي ؟ هذا هو السؤال المثير والمقلق لعموم الأوروبيين في الفترات الأخيرة، لا سيما وانه طرح ضمن سياق أحاديث المؤامرة السياسية التقليدية والتي أشار لها البعض من خلال القول أن عدد من وزراء تيرزا ماي الذين أقالهم جونسون وحزب العمال المعارض سوف يشكلون جبهة داخل مجلس العموم للتصدي لاستراتيجية الحكومة الجديدة برئاسة جونسون والساعية إلى الخروج من الاتحاد. يسعى الطرف المناوئ لفكرة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في واقع الحال الى الالتفاف السياسي على المشهد الآني، بل وتعطيله لأطول فترة ممكنة، من خلال محاولة الإطاحة بالحكومة بتصويت على حجب الثقة، ما يعني إجبار رئيس الوزراء الجديد على الذي ليس منه بد، أي الدعوة إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة على أمل الحصول على أغلبية برلمانية تساند خططه. من الذي يمكنه أن يدعم حظوظ جونسون أو يختصم من فرصه المستقبلية في العبور بالبلاد من الأزمات المعاصرة؟
من دون شك تبقى الجماهير البريطانية هي الحل، وهي الملجأ والملاذ وهذه لا يمكن معرفة توجهاتها ولو بشكل نسبي إلا من خلال استطلاعات الرأي، والتي أظهرت في الأيام القليلة الماضية ارتفاع نسبة التأييد لحزب المحافظين واتساع الفارق بينه وبين حزب العمال المعارض إلى عشر نقاط، بعد تولي بوريس جونسون منصب رئيس الوزراء.
الاستطلاع الذي نشير إليه هو ذاك الذي قامت عليه صحيفة الصنداي تايمز البريطانية وأعطى المحافظين بقيادة جونسون نحو31% بزيادة ست نقاط مئوية عن الاستطلاع السابق، بينما سجل العمال 21 بالمائة بزيادة نقطتين مئويتين فقط.زهل تعني هذه النتيجة أن هناك في الشارع البريطاني حالة من حالات الرضى عن جونسون ودروبه الفكرية ومساراته السياسية؟ يكاد يكون واضحا أن نهج رئيس الوزراء الجديد في التعامل مع ملف بريكست ساهم في ارتفاع شعبية المحافظين، إلا أن تنفيذ استراتيجيته وتعهداته قد تصطدم برفض برلماني إذا ما مضى قدما في العمل على الانفصال من دون اتفاق.
مرة جديدة كيف سيحل جونسون الإشكالية ؟
يتصدى «جون رينتول» المحلل السياسي من صحيفة الاندبندنت البريطانية للجواب، وعنده أن الاحتمال الغالب ان يدعو جونسون في الأول من نوفمبر المقبل إلى انتخابات عامة، وسوف تكون ذريعته هي أن البرلمان منعه من تنفيذ البريكست وأنه بحاجة إلى تفويض جديد لإتمام مهمته….. لماذا؟ الحديث لـ «رينتول» أيضا إذ أنه من المؤكد أن الانتخابات تبدو افضل خيار بالنسبة لجونسون من قضاء عامين ونصف العام محاولا دون جدوى وبفشل بائس إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى أن يحصد هزيمة مؤكدة في عام 2022.
ضمن الحلول التي يتحدث عنها المجتمع البريطانية لمواجهة عقبة البريكست، تلك التي أودت بـ «تيرزا ماي»، ويمكنها أيضا ان تلحق ضررا واضحا بـ«جونسون»، اللجوء إلى استفتاء ثاني، يقول فيه البريطانيون رأيهم، لكن البعض يرى أنها فكرة غير ديمقراطية بالمرة، وأنها لا تستقيم مع النتيجة السابقة رغم ضآلة نسبة الفوز، لكن في كل الأحوال تبقى أمرا واردا، وأن كان التوجه العام هنا سيرى أنها صفقة ماي عينها مغلفة في إطار أو سياق سياسي جديد وليس أكثر.
يبقى الخيار الأخير المتاح أمام جونسون، خيارا مرتبطا بالأحداث الدولية لا سيما بأوضاع منطقة الخليج العربي، والمواجهة البريطانية الإيرانية، وإلى أين ستصل الخلافات أو الاتفاقات، فإذا تعمق الشرخ والتهب الجرح، وتحول الأمر إلى صدامات سياسية أو عسكرية، فان الاحتمال الأكبر والأقرب لإشكالية البريكست سيكون غالبا هو تأجيل الخروج إلى ما بعد أكتوبر القادم، ثم الدعوة إلى انتخابات عامة، في محاولة لأن يحسم الشعب البريطاني المسألة بنفسه.