نتانياهو.. والانتخابات الإسرائيلية المقبلة

توماس فريدمان – نيويورك تايمز – ترجمة: قاسم مكي –

في 17 سبتمبر ستجري إسرائيل انتخاباتها الوطنية الثانية خلال ستة أشهر. تبدو هذه الانتخابات من على البعد وكأنها تكرار لانتخابات 9 أبريل التي فاز فيها نتانياهو بهامش ضئيل غير أنه لم يتمكن من تشكيل ائتلاف حاكم في أعقابها.
لكنها ليست كذلك. بل هي واحدة من أهم الانتخابات في تاريخ إسرائيل. إذ ستجمع بين عدة قضايا مترابطة تؤثر بشدة على هوية إسرائيل كديمقراطية يهودية. إنها قضايا طمست في انتخابات أبريل لكنها انفجرت في العلن الآن وتتمثل في مستقبل المؤسسات القضائية لإسرائيل ومستقبل سيطرتها على 2.5 مليون فلسطيني في الضفة الغربية ومن هو الذي سيقود إسرائيل في هذا الوقت الحاسم، هل هو تحالف براجماتي من الوسط أم التحالف اليميني الأكثر تطرفا على الإطلاق في إسرائيل.
أيضا ترتهن للانتخابات مصائر العملاقين السياسيين الحاليين لإسرائيل وهما نتانياهو الذي يخوض قتالا بكل الأسلحة لتجنب سجنه بسبب الفساد ورئيس الوزراء السابق إيهود باراك الذي لم يترشح في الانتخابات السابقة لكنه سيخوضها هذه المرة.
يرى باراك أننا على وشك أن نشهد «انهيارا تاما للديمقراطية الإسرائيلية وهو ما يشكل «مهددا استراتيجيا لا يقل خطورة عن المهدد الإيراني». دعوني أشرح كل ذلك. في انتخابات أبريل كان هنالك تواطؤ ضمني بين اليمين ويسار الوسط في إسرائيل على عدم مناقشة المسألة الفلسطينية. ولم يرغب حزب الليكود (حزب نتانياهو) وحلفاؤه من الجناح اليميني مناقشة ضمهم الزاحف (التدريجي) للضفة الغربية. واعتقد المنافسون الرئيسيون لنتانياهو من يسار الوسط وأعني حزب الأزرق والأبيض وحزب العمل أن التركيز على فساده الشخصي سيجتذب المزيد من الأصوات بأكثر مما سيحققه طرح خطة لفصل إسرائيل من الفلسطينيين. نتيجة لذلك ربما أن المسألة الأكثر أهمية لمستقبل إسرائيل أزيحت جانبا.
لذلك كان الاختلاف الرئيسي في انتخابات أبريل هو قول يسار الوسط أن على نتانياهو الرحيل لفساده هو وأسرته وبقائه في السلطة لفترة أطول مما يلزم وزعم نتانياهو بأنه لا غنى عنه لمستقبل إسرائيل.
تهم الفساد ضد نتانياهو ليست عادية. ففي فبراير الماضي أعلن المدعي العام أفيخاي مينديلبليت (الذي عينه نتانياهو) عن عزمه توجيه لائحة اتهام ضد نتانياهو في ثلاثة قضايا فساد عقب جلسة استماع يمكن له خلالها أن يطعن ضدها لمرة واحدة وأخيرة.
خاطب مينديلبليت نتانياهو كتابة بما يلي: «لقد ألحقت الضرر بصورة الخدمة العامة وبإيمان الناس بها وتصرفت على نحو ينطوي على تضارب للمصالح.
لقد أسأت استخدام سلطتك حين كنت تضع في حسابك اعتبارات أخرى تتعلق بمصالحك الشخصية ومصالح أسرتك. لقد أفسدت الموظفين العموميين الذين يخدمون تحت إمرتك». نتانياهو في وضع يائس. فهو قد يذهب إلى السجن. لكنه قبل انتخابات أبريل أنكر بشدة أنه سيستخدم نفوذه لتمرير قوانين تحميه من الاتهام والمقاضاة إذا فاز وسيطر ائتلافه على الكنيست. لكن عقب انتصاره على الفور أول شيء فعله هو محاولة ضمان إجازة التحالف الذي كان يتولى تشكيله لنفس القوانين التي أنكر أنه سيسعى لإنفاذها بقصد إبطال أي اتهام ضده.
ما يدعو إلى الحسرة أن الأحزاب الوحيدة المتطرفة بما يكفي كي تقبل بانتهاكات نتانياهو كانت، إلى جانب حزبه الليكود، أحزاب المستوطنين اليمينية المتشددة والأرثوذكس المتزمتين. ولأن نتنياهو كان مهووسا باستمالتها لكسب أغلبية حاكمة في الكنيست جعلته هذه الأحزاب أسيرا لها وصعدت مطالبها باطراد إلى الحد الذي دفع الأعضاء الآخرين في ائتلافه المقترح إلى عدم التعاون. لكن في أثناء كل هذه المناورات بدأ كل إسرائيلي يرى إلى أي حد يبدو نتانياهو مستعدًا للإضرار بالمؤسسات القانونية في إسرائيل وذلك فقط لإنقاذ نفسه.
كان نتانياهو يطلب من شركاء ائتلافه القادم إجازة قوانين من شأنها أن تمنحه، كرئيس للوزراء، حصانة فعلية من الملاحقة القضائية. وللحيلولة دون إبطال المحكمة العليا في إسرائيل لهذه القوانين أصر على أن يجيز شركاؤه أيضا قانونا آخر يقلص من سلطات هذه المحكمة.
أنا لم أخترع هذه الحقيقة أيها الناس. فنحن نتحدث الآن عن «جمهورية موز» يهودية.
لكن القضية الفلسطينية لا تزال خارج الأجندة. وهنا يجيء دور إيهود باراك.
خلال الأعوام القليلة الماضية كان باراك المتقاعد والذي لا يزال محتفظا بنفوذه يهوي بمطرقته على نتانياهو في تويتر ويسلط الضوء مرارا على (حقيقة) أن الضم الزاحف للضفة الغربية لن يقود في النهاية إلى تقويض إسرائيل كديمقراطية يهودية (قائمة على مبدأ شخص واحد صوت واحد) فقط ولكنه أيضا سيتطلب من نتانياهو وشركائه في اليمين المتطرف، بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، هدم المؤسسات القانونية لإسرائيل. ذلك لأن المحكمة العليا وجماعات المجتمع المدني ووسائط الأخبار النشطة هي آخر المؤسسات التي تقف في طريق جهود اليمين المتطرف للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وضمان أن الفلسطينيين المقيمين بها لن يحصلوا أبدا على نفس الحقوق السياسية للإسرائيليين.
يعتقد العديدون خارج إسرائيل أن البديلين الوحيدين للضفة الغربية هما فصل الإسرائيليين والفلسطينيين أو دمجهم في كيان سياسي واحد يرتكز على حقوق متساوية.
لكن لدى اليمين الإسرائيلي «وهم ثالث» هو السيطرة على الضفة الغربية دون منح حقوق متساوية للفلسطينيين الذين يقيمون هناك. والعائق الوحيد أمام هذه الرؤية هو النظام القضائي والصحافة الحرة والمجتمع المدني في إسرائيل. لذلك سيكون لزاما على الجناح اليميني تحجيم هذه المؤسسات. وقد أوضح باراك ذلك في جلاء لكل الإسرائيليين.
لا يمكن لباراك كسب هذه الانتخابات. لكنه بدخوله السباق وتسليطه الضوء على كل هذه المهددات لمستقبل إسرائيل يمكنه أن يفرضها (أي المهددات) على الأجندة وإجبار حزبي الأزرق والأبيض والعمل على مناقشة ما أسماه «مسارا حتميا» إلى مستقبل أبارثيد «فصل عنصري» للضفة الغربية.
أطلق باراك على حزبه الجديد اسم إسرائيل الديمقراطية مجادلا بأن «لكل واحد منا أن يختار بين دولة إسرائيل ودولة نتانياهو. (بين دولة إسرائيل) وبين تفتيت الديمقراطية الإسرائيلية والتدمير المتعمد لحكم القانون والمحاكم والشرطة……… هذه أحلك الأيام التي عرفناها».
على ترامب واليهود حول العالم الدعاء بأن يخسر نتانياهو. فإذا فاز في الانتخابات وقضى على حكم القانون من أجل حماية حكمه وتأبيد سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية سيكون على كل يهودي يعنى بالدولة اليهودية اتخاذ خيار أخلاقي في نهاية المطاف حول ما إذا كان في مقدوره الاستمرار في تأييد إسرائيل أو الكف عن ذلك. هذا، كما ذكرت، يمكن أن يؤدي إلى الشقاق في كل كنيس أو مؤسسة يهودية في المباني الجامعية بأمريكا وحول الدياسبورا (المنفي اليهودي). ولأن نتانياهو خدع تماما كلا من ترامب وصهره جاريد كوشنر فإنهما لا يدركان أن خطة ترامب للسلام ستكون «ميتة» من البداية إذا فاز نتانياهو. يمكن أن ينجو نتانياهو سياسيا الآن فقط بتشكيل ائتلاف يرفض أي تلميح باقتسام السلطة مع الفلسطينيين مهما كان ضعيفا. وللمفارقة ربما تحصل خطة ترامب على أذن صاغية وتشكل عنصر تحفيز للتغيير فقط في حال صاغت أجندة باراك شكل الانتخابات وأنتجت حكومة ائتلافية مستعدة للتصدي لأهم قضية وجودية لإسرائيل.
—-
* الكاتب انضم إلى صحيفة نيويورك تايمز عام 1981. مؤلف 7 كتب من بينها «من بيروت إلى القدس».