المراحل الانتقالية .. مكتسبات في سلم الترقي

أحمد بن سالم الفلاحي/ كاتب صحفي –

وجود عنصر بشري كامل الأهلية، والأهلية هنا هي مجموعة المحصلات المعرفية والخبرات العملية، والرؤى الاستشرافية، والقدرة على مراجعة مجموعة الإخفاقات والانتباه إلى مجموعة الأخطاء، على أن تكون هذه المعززات حاضرة، وقادرة على العطاء حتى الوصول الى المراحل النهائية للمشروع.
يتردد كثيرا مصطلح الـ«مراحل الانتقالية» أو الـ«مرحلة الانتقالية» عندما يتم الحديث عن مشروع ما، سواء أكان هذا المشروع، إنسانيا، أو تنمويا، وسواء على مستوى الفرد، أو مستوى الجمع، أو مستوى المؤسسة، وأي مشروع كان، من جملة المشروعات كلها لا بد أن يستنزف عمرا مقدرا من هذه المراحل، فهذه المراحل في مجملها لها شروطها الفنية، والمعرفية، والمادية، لكي يكتمل عود نصاب مشروعاتها، لتتحقق أهدافها المرسومة، وميزة هذه المراحل أنها لا تقبل التجزئة، أو التجاوز، فلا بد من إنجاز مرحلة ما، من مراحل المشروع، حتى البدء في المرحلة اللاحقة لها مباشرة، خطوة بخطوة، ولذلك فالذين يستعجلون في خطواتهم نحو تحقيق مشروعاتهم يفشلون فشلا مطلقا، أو فشلا نسبيا، وتكون مشروعاتهم في هذه الحالة مهلهلة، وقابلة لاختراقات سهام الفشل مع مرور الأيام، ومن هنا يأتي مصطلح «دراسة الجدوى» لإسناد خطوات المراحل الانتقالية من التعثر مع البدء الحقيقي للعمل، ولذلك ينظر إلى خطوة «دراسة الجدوى» إلى كثير من الأهمية، وكلما كانت «دراسة الجدوى» محكمة وواقعية، كلما كان ذلك معزز لنظرة التفاؤل العالية للنجاح، والوصول إلى المراحل النهائية للمشروع، وهي المراحل التي تأتي بثمارها الناضجة من الأرباح المادية والمعنوية، وهي التي تعكس قدرة الفرد على التفكير المنطقي، والأخذ بالمسببات الحقيقية للنجاح، وعدم الاعتماد على المنهج الارتجالي في وضع الخطط والبرامج لأي مشروع يقدم إلى تبنيه، ووضعه موضع التنفيذ.
لذلك ينظر إلى المراحل الانتقالية على أنها مراحل مفصلية لأي مشروع إنساني، وأن أي مشروع لا يمكن أن يتحقق دون أن يمر بهذه المراحل المفصلية التي تجسد العمل الحقيقي له، لأنها تعد البناءات التكوينية للمشروع، وتتوغل فيه توغلا بنيويا في كل مفاصله، ولا بد في هذه الحالة أن تكون المعادلة (1+1=2) ولا تقبل أن صيغة نسبية تعطي إجابة أخرى غير هذه النتيجة، وبالتالي متى أمكن تحقيق إجابة أخرى، فإن في ذلك تجاوز للحقائق، وهذا التجاوز، يقينا، سيفضي إلى الفشل الذريع، وبالتالي إتاحة الفرصة لدخول مجموعة من الالتفافات المعيقة للتطور، وهي التي تقف حاجزا داعما لهذه الإعاقة، ومما يؤسف له حقا أن أي مشروع في هذه الحياة لا بد أن تندس فيه هذه الالتفافات التي تشبه الجرذان المندسة في شقوق الجدران المتهالكة، ومع ذلك يمكن إقصاؤها منذ البدايات الأولى حتى لا يشتد عودها، وتتضخم هياكلها المأساوية، وذلك من خلال مجموعة القيم والحاكمة، والقوانين النافذة لحماية مجموعة المشروعات.
يمكن النظر إلى المراحل الانتقالية على أنها مكونات في غاية الأهمية للتطور، وهي كذلك بالتأكيد، ويمكن قياسها على مجموعة المراحل السنية التي يمر بها الإنسان، منذ لحظة الميلاد، حتى نهاية العمر، وتفضي دائما إلى مجموعة من الخبرات، ولذلك هي تقبل الإضافة والتعديل في كل مرحلة، وهذه الإضافات والتعديل تعمل على تعزيز البنية الأساسية للمشروع، وتضيف إليه معززات أخرى تعمل على تقويته، وقدرته على البقاء والاستمرار، والتطور، والحصول على نتائج أكثر عطاء، وحيوية، وهي الغاية دائما، كما هو المأمول من أي مشروع، وبالتالي متى أحكمت هذه المراحل، من حيث الجودة، والتمكين، والتعزيز، أفضى ذلك إلى الانتقال إلى المرحلة اللاحقة بثقة أكبر، وبرؤية أفضل، وبأخطاء أقل، فمجموع الممارسات الفنية والإدارية، وتوظيف المعرفة، في كل مرحلة من مراحل المشروع هي التي تعزز الثقة في جميع الممارسات القائمة لاكتمال المرحلة، وكسب الثقة، هذه، أمر في غاية الأهمية، لأنها الفاعل الأكبر لمواصلة الاستمرار وعدم اليأس، وتحدي الصعاب، والانتباه أكثر إلى مجموعة التطورات السلبية، أو مجموعة المعوقات، سواء من الجانب التقني البحت، أو من جانب الإنساني: المتعمد، أو غير المقصود.
تساءلت مع نفسي، وأنا أهم في مناقشة هذه الموضوع المتداول كمصطلح فقط، هل المراحل الانتقالية حالة فطرية، أو ميكانيكية، وما الذي يربك مسيرتها إن تعثرت؟ وفي الإجابة، وفق هذا الاجتهاد، أقول: هي صورة ذهنية إذا نظر إليها قياسا بالمراحل السنية لعمر الإنسان، فعمر الإنسان لا بد أن يمر بالمراحل العمرية الانتقالية: طفل، شاب، شيبة، وقد وردت هذه المراحل في نص القرآن الكريم في توصيف حالتها المرحلية، في قوله تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة، يخلق ما يشاء، وهو العليم القدير) – الآية (54) – من سورة الروم، وهي ميكانيكية قلبا وقالبا، إذا نظر إليها ووفق المفهوم العلمي الحديث من حيث: التخطيط، دراسة الجدوى، والبرمجة والمتطلبات المادية والفنية، والقوة البشرية الفاعلة، ويمكن إسقاط هذا المفهوم على كل المشروعات التي يقوم بها الإنسان في هذه الحياة، سواء على مستوى الفرد، أو الجماعة، أو المؤسسة في مفهومها الأكبر، وصفتها أنه لا يمكن تجزئة بنيتها الأساسية، من حيث كل مرحلة على حدة، ولكن يمكن تقسيم العمل في كل مرحلة على أن تكتمل مجموعة الأقسام لتعطي بناء متكاملا للمرحلة الواحدة، حيث تبقى مراحل المشروع الواحد تراكمية في مجموعها العام، لأنه كلما قطعت في كل مرحلة شوطا ألزمتك المرحلة اللاحقة أن تنجز شوطا آخر بشروط جديدة، وبإمكانيات أكبر، وهذا في حد ذاته تحد مباشر لإنجاز المراحل اللاحقة، حتى تكتمل الصورة برونقها الجميل الذي تعتز به، وتسعد.
يمكن هنا، أيضا، طرح التساؤل التالي: ما هي العلاقة بين المراحل الانتقالية، ومجموعة الإرهاصات «الهواجس» التي تصاحب الخطوات الأولى لبناء المشروع؟
يمكن النظر إلى هذه الإرهاصات بشيء من الاهتمام، فقد تكون رسل محفزة للتفكير في مشروع ما غير مرئية ملامحه بصورة واضحة، وهذه الإرهاصات، عادة، تكون في البدايات الأولى لعمر التجربة الإنسانية، من حيث قلة الخبرة، وتضاؤل المعرفة، وربما تواضع الإمكانيات المادية، وعدم وجود التشجيع من القريبين، ولذلك فقد تتحقق مجموعة الهواجس الذاتية لتأسيس مشروع ما، ولكن لأن كل ما ذكر غير متحقق في لحظة هذه الهواجس التي تقلق هدوءنا، وتربكنا أحيانا، فقد يتأجل تنفيذ المشروع، وقد تكون هذه الهواجس – وهي بمثابة إرهاصات – متحققة، ولكن العوامل الخارجية الأخرى غير متحققة، وبالتالي فإن هذا الواقع بهذه الصورة لن يسعفنا للوصول إلى أي مرحلة انتقالية، فتتموضع الأفكار والرؤى، إلى أن تتحسن الظروف، فنبدأ بالخطوة الأولى، والتي تتبعها خطوات بنائية أخرى في ذات المسار، وهي ما تؤول في النهاية إلى مراحل انتقالية.
هناك من يرى أنه لا بد من تحقق مجموعة من الشروط في شأن تفعيل هذه المراحل لكي ينتقل التنفيذ من مرحلة دنيا، إلى أخرى أكثر منها عملا، ونشاطا، وتعقيدا، ومن هذه الشروط:
أولا: الـ«حمولة» المعرفية، ويشترط وجودها في كل مرحلة من المراحل الانتقالية، وهي الحمولة التي يتم البناء عليها لمواصلة البناء الكامل للمشروع، ولأن المسألة تراكمية، فيقينا أن تتعقد هذه الحمولة المعرفية في كل مرحلة انتقالية، ولعلني لن أجاوز الفهم عندما أشبه ذلك بحالة العمليات الجراحية لجسد الإنسان لتبرئته من مرض ما. ثانيا: ضرورة تحقق العنصر المادي في مسيرة المراحل الانتقالية، وهو أمر بالغ الأهمية للمشروع، حتى إن تحققت بعض الجوانب المعنوية والمعرفية فيه، ذلك أن المادة مكون أساسي، وكلما تم قطع شوط تراكمي، استلزم ذلك تخصيص قدر أكبر من الرصيد المادي لاكتمال المرحلة اللاحقة.
ثالثا: وجود عنصر بشري كامل الأهلية، والأهلية هنا هي مجموعة المحصلات المعرفية والخبرات العملية، والرؤى الاستشرافية، والقدرة على مراجعة مجموعة الإخفاقات والانتباه إلى مجموعة الأخطاء، على أن تكون هذه المعززات حاضرة، وقادرة على العطاء حتى الوصول إلى المراحل النهائية للمشروع.
يبقى الحديث هنا – أخيرا – عن مصطلح «القفز فوق المراحل» وهو مفهوم سفسطائي أكثر منه نوعي، أو عملي، أو إقناعي مبني على المعرفة، وينظر إلى من يسلك هذا المسلك على أنه واقع تحت هذه السفسطائية، وعلى أنه فاقد لهوية الجذور المؤسسة غالبا لكل التجارب الإنسانية، حيث يرى في غير الممكن ممكنا، وفي غير المقبول مقبولا، وهذه إشكالية كبيرة تعيشها جل المشروعات الإنسانية وغير الإنسانية، ويمكن أن تعد إحدى الصور المعيقة لأي مشروع من مشروعات الحياة اليومية.