إشكاليات التدريب.. والبحث عن التميز المؤسسي

تهدف المؤسسات في هذا العصر الحديث إلى إنجاز الأعمال وفق أداء سريع؛ وجيد في الآن نفسه، بتوظيف كافة المعينات التقنية، فيما يمكن أن نسميه بالأداء المؤسسي المتميز، بيد أن الإنسان يظل هو الرهان الأساسي في نهاية الأمر، بما يمكّن من الوصول إلى أفضل أداء مؤسسي، حيث تظل التقانة والآلة والأدوات الذكية مجرد عناصر مساعدة ولن يكون لها من قيمة في غياب فاعلية العقل المفكر.
وتأتي مناسبة هذا الحديث مع الدورات العديدة وحلقات العمل التي نراها من فينة لأخرى في العديد من المؤسسات سواء الحكومية أوالخاصة التي تبحث عن أفضل المناهج العصرية في بناء القدرات المؤسسية والانتقال إلى سياق العصر الجديد.
لابد في المقام الأول من التأكيد على أن مثل هذه الدورات والحلقات مطلوبة، ولكن يجب أن تتبعها التزامات معينة حتى نضمن أنها ذات أثر فاعل وحقيقي في المؤسسات وبناء قدرات الموظفين بشكل عام، وحيث لا تتحول إلى مجرد استهلاك للوقت والمال والجهد، بغياب الأثر الملموس والفائدة المرجوة.
ينبغي في البدء أن نطرح سؤالاً، حول الأهداف أو المقاصد المنشودة من مثل هذه البرامج والمشاريع التدريبية، وهل هي مجرد تقليد ومحاكاة لما قامت به مؤسسات أخرى؟ أو مجرد مجاراة لما يتحرك به العالم اليوم في الشركات والمؤسسات العالمية؟ أم أن هناك ثمة حاجة حقيقة وملحة لمثل هذه البرامج وحلقات العمل؟
فالإجابة على هذا الأسئلة تفتح الطريق نحو الرؤية البصيرة والحاذقة بعيداً عن إهدار الموارد.
في الناحية الثانية وبعد التأكد من المطلوب الأول، المشار إليه، يكون السؤال عن مدى تفاعل الموظفين أو المستهدفين أنفسهم من مثل هذه الدورات. هل ينتهي الأمر بانتهاء الدورة أو الحلقة التدريبية أم أنهم سوف يصطحبون معهم الفائدة إلى الحياة العملية في ميدان أو ساحة العمل؟ أم أنهم سوف ينسون كل شيء ويغلفونه وراءهم بمجرد مغادرة قاعة التدريب واستلام شهادة تفيد بأن الموظف المعين قد حصل على دورة ما، لتضاف إلى ملفه في المؤسسة التي يعمل بها وربما عادت إليه بترقية وزيادة محدودة في الراتب، في حين يبقى أن ليس من أثر متحصل على صعيد دولاب العمل في النهاية، وللأسف فإن هذا يحصل في العديد من المؤسسات!
ثمة خلل من جانبين الأول يكمن في المؤسسات نفسها وهي مسؤولة عنه ويتعلق هذا الجانب بالنقطة الأولى التي تمت الإشارة إليها من تحديد المقاصد والأهداف، أما الخلل الثاني فيتعلق بالموظفين أنفسهم ورغبتهم في التطوير، وهنا يجب الانتباه منذ البداية بعدم اصطحاب غير ذوي الرغبة الضعيفة أو عدم التفاعل الحقيقي، في مثل هذه البرامج، حيث يتم التأكد من أن الموظف المعين هو الآهل لهذا الأمر بما يجعله يستفيد فعلاً، وبمثلما بدأنا بالمؤسسة سنجد أن المسألة تعود إليها مرة أخرى.
أخيراً يجب التأكيد على أن الطريق إلى التميز في المؤسسية والعمل هو درب شاق وطويل، يتطلب الإخلاص والإرادة وقبل ذلك التكيف الصحيح مع الأدوار.